أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

هنا القلق والخوف... هنا الضاحية "أم الحياة"

الخميس 23 كانون الثاني , 2014 10:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,463 زائر

هنا القلق والخوف... هنا الضاحية "أم الحياة"

حلّ صباح الشاب رزق قدورة مختلفاً أمس. ما إن أشرقت الشمس حتى جاءه صوت والدته من إحدى الدول الخليجية تطلب إليه الوفاء بوعده. وفى رزق بوعده وقدم أوراق استخراج جواز سفره لدى أقرب مركز للأمن العام، وأكمل نحو عمله في الشارع العريض في حارة حريك.

لن يكتب رزق على صفحته على "الفايسبوك" أنه نجا من أربع انفجارات حتى الآن، كان آخرها انفجار الأمس. سينزل عند رغبة والدته التي توجست من استشهاد ماريا بعدما كتبت ما كتبته على جدارها.

تلاحق تفجيرات الضاحية رزق من مكان إلى مكان. البداية في بئر العبد حيث يقع منزل عائلته على بعد مئة متر من التفجير الأول. كان رزق بالكاد قد غادر الشارع متوجهاً إلى الحارة. وما إن خرج من محال "الأرز" في منطقة الرويس حيث كان يشتري حذاءً رياضياً حتى انفجر الشارع بمن فيه وما فيه.

قبل عشرين يوماً وصلته شظايا الانفجار الأول في الشارع العريض عندما كان أمام محل الألبسة الرياضية حيث يعمل، ونجا. بالأمس، كان هو وزملاؤه بصدد شراء فطورهم حين اشتعل الشارع نفسه، وركض يلملم الجرحى والمصابين.

ومع الانفجار الرابع جاءه الأمر من والديه في الخليج "ممنوع تبقى بعد، يللا ناطرينك"، قالوا له بعدما تعبوا من مماطلته في الانضمام إليهم هناك. لا يرغب رزق بترك الضاحية: "حياتي هون وصحابي وعمري كله، ما كنت بدي روح". لكن العيش في الوطن أصبح حلماً صعب التحقيق على ما يبدو.

اليوم يخوض رزق معركة أخرى مع والديه بانتظار استكمال الإجراءات وموعد الطائرة، "أترك شغلك بالضاحية وطلاع عَ النبطية، هونيك أأمن"، يقولون له كل يوم. ورزق يريد أن يمضي في الضاحية ما تبقى له من وقت في لبنان، لا يريد المغادرة: "ما بقدر، ما فيي، أنا أصلاً رح فلّ غصباً عني".

ليس رزق وحيداً. هاجس سلامة الأبناء والأخوة والأهل والتلامذة والجيران والأحباب والأصدقاء، صار هم الجميع. الضاحية نفسها صارت الهاجس. صار لها طقوس عيش مختلفة ومواقيت خاصة. موعد خروج التلامذة إلى مدارسهم ورجوعهم. دوام العمل الصباحي وإقفال المؤسسات. عودة الأبناء من جامعاتهم... مواقيت تضبط الأمهات قلوبهن على عقاربها. طقوس الحياة نفسها تتغير. أمهات لا ترتاح قلوبهن حتى والجميع داخل البيت. كثر هم الضحايا الذين طالتهم آلة القتل على كنباتهم وأسرتهم وفي مطابخهم وتطاولت عليهم في الشرفات. ينشط "الدليفري" من المطاعم إلى مقاهي النرجيلة "صحيح، عم تخفف الناس ضهرات من بيوتها قدر الإمكان"، يقول فتى يعمل على توصيل الوجبات. أساساً ساهمت العادات الجديدة في حصوله على فرصة العمل هذه. لم يعد يتلقى إكرامية مادية فقط. صار الناس يكرمونه بالدعاء له "توصل بالسلامة" أيضاً.

نعم تغيرت بعض الطقوس والعادات ويوميات العيش ولكن الحياة تستمر، و"ستستمر" كما يقول صاحب مقهى "ألوان" محمد المقداد.

قبل يوم واحد من افتتاح مشروعه في الشارع العريض، وقع الانفجار الأول. تساقط زجاج الواجهة وتشققت الجدران وانقلب "الديكور" الجديد رأساً على عقب. رمم محمد مقهاه برغم تحذيرات كثيرة، وافتتحه قبل الانفجار بستة أيام. بالأمس استشهدت ماريا واستشهد علي في "ألوان" وطارت الواجهة ومعها كل المقهى، وعاد المقداد يحضّر المكان للترميم الثاني: "نحن ننتمي إلى هذا المكان، مش رح افتح غير هون... كل شي هون، وأنا مش رايح من هون"، يقول.

يجلس محمد في مقهاه حزيناً. يرقب أصدقاءه وهم يكنسون الزجاج من حوله. لم يكن يريد أن يدشن مشروعه بذكريات دموية. أراده أن يكون استراحة للفرح والسمر، بعض أرشيف للحياة التي تعج في الضاحية، وليس محطة انتظار لانفجار متوقع في كل لحظة. ومع ذلك "كل الضاحية معرضة ومعها كل لبنان" بالنسبة إليه، وبالتالي تتشابه الأمكنة، ومعها النية بالمخاطرة.

لقريب صاحب مقهى "ألوان" رأي آخر. يقول محمد المقداد إن "الناس لم تعد قادرة على تحمل صبر حزب الله". يعترض محمد على تعامل الحزب وقيادته بروية مع ما تتعرض له المناطق المحسوبة عليه. "لازم يردوا"، يقول. يجب "أن يستهدفوا المعتدين لا أن يتركوهم يقتلون الناس ويصطادوننا الواحد وراء الثاني". يريد محمد إعلان رأيه بينما يرفض من تجمعوا حوله هذا المنطق "لا يمكن وضع الناس كلهم في سلة واحدة، الانتحاري في هذه المنطقة أو تلك لا يمثل الجميع، هو يمثل نفسه".

سامي عبدالله يرى أن الانتحاري "ضحية" ويصر بدوره على توثيق رأيه "يجب استهداف رأس الأفعى التي تغرر بالشباب وتدفعهم إلى قتل الأبرياء وأنفسهم"، يقول الرجل الخمسيني مطالباً الجيش بالقيام بهذه المهمة. يجب أن "يقطع قائد الجيش لسان كل من يتحدث بالطائفية والمذهبية"، أن "يقفل وسائل الإعلام المحرضة" وتلك التي "تعيد بث تصريحات طائفية وتحريضية".

يتخطى عبدالله الطائفية ليربط كل ما يحصل اليوم بما سبقه. بالنسبة إليه "عندما استهدفوا الضاحية بتفجير صفير عندما استشهد شقيق الشهيد عماد مغنية لم يكن حزب الله في سوريا، ولا عندما استهدفوا السيد محمد حسين فضل الله في بئر العبد ولا عندما اغتالوا الشهيد عوالي وغيره وغيره... وعندما دمرت إسرائيل الضاحية في عدوان تموز لم يكن الحزب في القصير ولا في غيرها". وعليه يضع عبدالله التفجيرات كلها في سلة واحدة "المستفيد هو إسرائيل والمعتدي نفسه".

يناقش علي بركات في مكان آخر، في حياة الناس التي لم تعد على ما هي عليه. في هم خروج أفراد العائلة من البيت ورجوعهم سالمين. يفكر بنفسه وقد صار يشتغل خارج المحل أكثر من داخله "كل الوقت عم نراقب السيارات ويلي عم يركنوها حدنا وبالشارع". يفكر في الناس التي تنهار من حوله مع كل انفجار. يتذكر أمه التي أضحت تعيش في قلب القلق اليومي ونهاراته الطويلة ويخاف عليها أكثر من أي وقت مضى. يخاف على كل من يعرفه ويلتقيه وعلى المواطنين الذين يتجمعون في مكان كل انفجار. يخاف أن يطالهم تفجير ثان في اللحظة نفسها.

الخوف نفسه يسكن موظف "مطعم الجواد" عباس حسين. يخاف هو الآخر على أمه وأهله من شدة خوفهم عليه. كان عباس في المطعم لدى وقوع الانفجار الأول في الحارة. أصيب بجراح خفيفة ولملم نفسه وركض يساعد غيره من المصابين. لم ينتبه إلى أهله إلا حين رأى أمه أمامه. جاءت راكضة من بئر العبد إلى الحارة لتتأكد أنه بخير. رأته وانهارت. بالأمس، وحين دوّى الانفجار تذكر عباس أمه. حمل هاتفه اتصل بها قبل أن يفعل أي شيء آخر وانضم إلى المسعفين.

اليوم تغير برنامج عباس. أضحى يستهل يومه بتفقد أجهزة الإطفاء. ها هم يعيدون تعبئتها للمرة الثانية. مع "الطفايات" يتأكد أن خراطيم المياه سليمة وجاهزة، ولا يبقى سوى المساهمة في مراقبة الشارع.

قبل عدوان تموز بثلاثة أشهر اشترت وعد شقتها في الضاحية. جاء عدوان تموز ودمر كامل الشارع الذي كانت تسكنه ومعه شقتها. رممت بيتها وعادت إلى قلب الضاحية "حيث الحياة، كل الحياة" كما تقول. اليوم تشعر بضيق في صدرها، في نفسها في كل ما يحيط بها ولكنها قررت أن تقاوم على طريقتها. خرجت وعد بالأمس إلى محلات الحارة. جالت بين واجهة وأخرى وانتقت فستاناً بنفسجياً. دفعت ثمنه وارتدته بعدما وضعت فستانها الأسود في حقيبة يدها. وخرجت إلى "الحياة" كما تريدها: "الموت هو نفسه في كل مكان، وما حدا بيموت إلا بيومه"، تقول مؤكدة أنها لن تترك القتلة ينالون من نفسها وروحها قبل أن يصلوا إليها.

وهناك، في الضاحية، كلٌ يقاوم على طريقته. سكان الشقق الذين كانوا يرممونها على عجل ليسكنوها في أسرع وقت ممكن، يفعلون. بائع الخضار الذي قصد سوق الجملة صباحاً وعاد ببضائع طازجة إلى محله في قلب منطقة الانفجار يقاوم. صاحب "السوبر ماركت" الذي فتح أبوابه ليوزع الماء والقهوة على عمال البلدية والمتطوعين يمارس فعل استمرار الحياة. المقاومة ليست فقط في "قتال إسرائيل، المقاومة فعل حياة، وسنحيا في الضاحية أم الحياة" تقول وعد أمس وهي تخرج من صالون الحلاقة بعدما سرحت شعرها ذات صباح كئيب.

سعدى علوه  - السفير 

Script executed in 0.17931199073792