قذى أشهرا كثيرة مع عائلته وأهله وأقربائه، بحثاً عن عمل ومأوى، بعدما هجروا قسراً، وفروا من سطوة اللحى والتكفيريين في حي البياضة في حمص. وخسروا كل ما يملكون. وعادوا إلى وطنهم الأم بعد عشرات السنين، ليجدوا أنفسهم أغراباً في وطن أحبوه فقتلهم. لم تشفع لهم جنسيتهم اللبنانية في إيصال الصوت، وتأكيد هذه المعاناة التي طالت آلاف اللبنانيين، بعدما فقدوا أرزاقهم واعتدي على أرواحهم وأعراضهم. فكان النزوح. وعصام واحد منهم، نازح يبحث عن لقمة العيش في وطن نسي أبناءه لكنهم لم ينسوه. تسأل دماؤه عن سبب هذا الموت الذي هرب عصام منه بعدما تناست الدولة نزوحه وهويته أو غضت الطرف.
سيدفن عصام غدا غريبا وسيبكيه اطفاله الصغار وزوجته ولن يجيبهم احد عن سبب موته.
«بدي بابا. وينو طول ما رجع من مبارح» يسأل محمد. فتجيب الوالدة بدموع حارقة، بصوت خافت ضعيف «الله لا يوفقهم .. يا رب لقد رضيت بحكمك». يشعر الصغير بأن في الأمر مصيبة لا تشبه المصائب لكن لا يعرف بعد معنى الموت ومعنى «اليتيم».
عصام عاد إلى العمل في «محطة الأيتام» قبل ثلاثة أيام، بعد أن توقف نحو ستة أشهر.
رفيق عصام في الشهادة وفي الحياة علي أمير علوه (15 عاماً). رفض أن يترك عصام يغادر إلى جنة الخلد وحده. أدركه الموت عندما ذهب لشراء علبة سجائر لوالده، الذي يجهز الحلويات في محله المقابل للمحطة، لكن القدر كان أسرع فاختار شهيدين جديدين من «مدينة الشهداء». جريمة قتل علي علوه جريمة جديدة في سجل المجرمين، الذين يقتلون من أجل القتل على أرض الهرمل المتروكة لتلملم جراحها وتسأل عن أمنها هي وأهلها . لم يكن علي يتصور أن يكون هو الشهيد. ولم يتصور والده أيضاً أن يتقبل التبريك بشهادته في منزله في حي الدوره في الهرمل، بل كان ينتظر أن يزفه عريساً.. لا أن يودعه مسافراً.
ع. ج.