نعم «الانتحاريون» صاروا بيننا وعلينا أن نضع في الحسبان أن هذه القنابل الموقوتة العمياء، قابلة للانفجار، في أية لحظة، وفي مواعيد وأمكنة لا تستطيع التحكم بها، وهي أصلا لا تقيم وزنا لصورها ووجوهها.
«الانتحاريون» بيننا أمنيا... ولا سبيل لمقاومتهم إلا بـ«انتحاريين» بالمعنى السياسي، يتحررون من عقدهم وموروثاتهم وأحقادهم وحساباتهم الضيقة، لكي يكونوا على مستوى مواجهة خطر غير مسبوق، وإرهاب لا وصفة للقضاء عليه، أفضل من تلك الوصفة السياسية التي تجعل كل اللبنانيين شركاء على طاولة الوطن، لا طاولة الطائفة والمذهب والحسابات والمصالح الخاصة.
بذلك وحده يرتقي الخطاب السياسي ويحاصر كل توتر ومتوتر، وكل بيئة حاضنة للتطرف من أي جهة أتى؛ فهل يكون رهان اللبنانيين جميعا، على وجود بقية من هؤلاء «الانتحاريين» أو «الفدائيين» السياسيين في محله... أم صار لزاما عليهم أن يستسلموا لقدر أسود يظلل حاضرهم... ويقفل كل نوافذ غدهم؟
حتى الآن، لا أحد يملك جوابا في شأن هوية انتحاري الشويفات وجنسيته ولو أن وجهه مكتمل الملامح، ولا في شأن اختياره تفجير نفسه بهذه الطريقة وفي هذه المنطقة... وإذا صحت المعلومات التي تم تداولها، من خلال التحقيقات مع الموقوف (عمر أ.)، فان ثمة مجموعة من «الانتحاريين الشاردين» في طول البلد وعرضه، ينتظرون «أمر العمليات»، ومن بعدها ركوب سيارة أجرة واختيار هدف... و«كبسة زر» مجنونة! (راجع ص 5).
هذا الوضع، زاد منسوب المخاوف من جهة، واستدعى رفع جهوزية جميع المؤسسات العسكرية والأمنية من جهة ثانية، إلا أن التقديرات تشي بأن الفترة الفاصلة عن الجولة الثانية من «جنيف 2»، قد تكون حافلة بالمعطيات العسكرية والأمنية في سوريا، في مشهد كان قد ألفه لبنان، في زمن الحرب الأهلية، لكن بفارق جوهري، أن الحرب السورية تتمدد يوما بعد يوم، في العمق اللبناني، في ظل حفلة تكاذب سياسي وسلم أولويات مقلوب!
وإذا صح وعد الرئيس المكلف تمام سلام، لرئيس الجمهورية ميشال سليمان، أمس، فان القصر الجمهوري، سيكون غدا على موعد مع تشكيلة وزارية «دستورية» من 24 وزيرا بعنوان «الحكومة الجامعة»، موزعين مثالثة على الفريقين الآذاريين والفريق الوسطي، وهذه التشكيلة بدت معالمها النهائية، على صعيد توزيع الحقائب مكتملة إلى حد كبير، كما بيّنت مداولات الساعتين بين الرئيسين سليمان وسلام.
وإذا كانت أسماء معظم الوزراء باتت محسومة مثل محمد المشنوق والعميد عبد المطلب حناوي وخليل الهراوي وسمير مقبل وجبران باسيل وغابي ليون وسيبوه هوفنانيان وروني عريجي وعلي حسن خليل وياسين جابر وسجعان قزي وبطرس حرب ورشيد درباس وداني قباني ورياض رحال (أو عاطف مجدلاني او رمزي جريج) وجان أوغاسابيان وميشال فرعون ووائل أبو فاعور وأكرم شهيب ومحمد فنيش وحسين الحاج حسن، فان مشاورات الساعات المقبلة، ستفضي إلى رسم خريطة نهائية للحقائب والأسماء، خاصة في ضوء الأجوبة النهائية التي سترد للرئيس المكلف من بعض مكونات الحكومة حول الأسماء والحقائب وكيفية التصرف بعد صدور مراسيم التشكيل.
ووفق آخر المداولات يمكن تسجيل الوقائع الآتية:
÷ تمام سلام متمسك بالمداورة وميشال عون يرفضها ويتمسك بالطاقة والاتصالات برغم الإغراءات التي تردد أنها بلغت، أمس حد منحه ثلاث حقائب أساسية بينها حقيبة سيادية (الخارجية) وحقيبتا التربية والأشغال العامة.
÷ نجح سلام في انتزاع اسمي وزيري «المردة» و«الطاشناق» بطريقة غير رسمية، ولكن لم يقدم الحزبان جوابا في ما يخص التضامن مع عون إذا استقال من الوزارة، لا بل استنتج الرئيس المكلف استعدادا ايجابيا للبحث في الأمر.
÷ برزت «نقزة» مفاجئة لـ«حزب الله» من إسناد الوزارتين السياديتين (الدفاع والداخلية) إلى فريق «14 آذار»... وهو لا يزال على موقفه بالوقوف إلى جانب ميشال عون «في السراء والضراء».
÷ ظل الرئيس نبيه بري متمسكا بموقفه النائي بنفسه عن مشاورات التأليف على قاعدة أنه خدم عسكريته، مشجعا في الوقت نفسه الرئيس المكلف على الاستمرار بالتواصل مع كل الفرقاء وخاصة العماد عون. وقال الوزير علي حسن خليل لـ«السفير» انه «بمعزل عن موقفنا الرافض للتدخل في مجريات التأليف، فإن مسألة الميثاقية معيار أساسي واضح ومحسوم وغير قابل للأخذ والرد».
÷ لم تنجح محاولة الرئيس سعد الحريري لاستدراج «القوات» التي تمسكت بموقفها الرافض للمشاركة، إلا على قاعدة الاتفاق المسبق على البيان الوزاري، بينما أبلغت «الكتائب» و«مسيحيو 14 آذار» الرئيس المكلف بثبات مشاركتهما، على أن تسند لهما حقائب «تليق بموقفهما الوطني» على حد تعبير سامي الجميل.
÷ النائب وليد جنبلاط اختار عبارة «لا تعليق»، بوصفها أفضل تعبير عن اشمئزازه مما بلغته الأمور، مبديا خشيته من أن تكون المظلة الاقليمية التي أعطت الضوء الأخضر للتأليف قد انتهى مفعولها. وقال الوزير وائل أبو فاعور الذي أبقى محركاته تعمل في كل اتجاه في الساعات الأخيرة، ان جنبلاط يبذل مسعى اللحظة الاخيرة مع رئيس الجمهورية والرئيس المكلف والقوى السياسية لتدارك الامور بما يؤدي الى حكومة سياسية وفق الصيغة المتفق عليها، وبالتالي تفادي الوصول الى اي سيناريو غير محبذ، خاصة في مرحلة تتهدد فيها البلد مخاطر كبيرة. وقال لـ«السفير» ان فرص التفاهم لا تزال قائمة.