محمد وهبة
لم يعد ينطبق على جمعية الصناعيين توصيف «لوبي». على مرّ السنوات الماضية فقدت هذه الجمعية بريقها. وزنها بين تكتلات أصحاب العمل بات خفيفاً. قوّتها في مواجهة منافسيها من التجّار ومروّجي الريوع تراجعت إلى حدودها الدنيا. قدرتها على المشاركة في رسم معالم القوّة الإنتاجية في لبنان تقلّصت. باختصار، تحوّلت إلى جمعية فخرية لا حول لها ولا قوّة. لعلّ فرصة استعادة هذا الدور لا تزال متاحة. ففي نيسان المقبل ينتخب الصناعيون مجلس إدارة جديداً. أول تحديات رئيس الجمعية المقبل هو استعادة الدور المسلوب.
حتى نهاية الأسبوع الماضي، كانت نار انتخابات جمعية الصناعيين تحت الرماد. لم تحمل الأيام الماضية سوى بضعة لقاءات جانبية وإعلان ترشيح رامز بو نادر. أما منافسه الذي ينوي اعلان ترشيحه فهو فادي الجميل. جولات التفاوض بينهما حصلت على «نار هادئة» لكنها لم تثمر أي تسوية. قضاياهما ليست واحدة ولكل منهما طريقته في معالجتها. ملامسة أولويات الصناعيين ستكون أصعب محاور المعركة الانتخابية. أولى الأولويات استعادة أيام العزّ. في تلك الأيام كان للصناعة وزنها، وللجمعية تأثيرها بين مثيلاتها في القطاعات الثانية.
قد لا تحمل انتخابات مجلس إدارة جمعية الصناعيين في نيسان المقبل أي فرصة لطغيان هذه الأولوية؛ القاعدة المتبعة في هذا المجال تنطبق على كل جمعيات أصحاب العمل، التي يندر أن تشهد معارك انتخابية. المثال واضح في آخر انتخابات لمجلس إدارة غرفة التجارة والصناعة في بيروت وجبل لبنان، وفي الانتخابات الأخيرة لمجلس إدارة جمعية الصناعين. فمنذ 4 سنوات، كانت المعركة الانتخابية في عزّها بين الجميل وافرام، لكن الطرفين توصلا إلى اتفاق يقضي بحصول افرام على هذه الولاية بالتزكية مقابل انسحاب الجميل وحصوله على الولاية التالية.
غالبية انتخابات جمعية الصناعيين انتهت بالتزكية. أيام عزّ الجمعية بدأت مع بطرس الخوري، الذي كان يرأس إلى جانب جمعية الصناعيين، الهيئات الاقتصادية، أي هيئات أصحاب العمل والرساميل. يومها كانت الصناعة تقود حركة أصحاب العمل. بعد الحرب الأهلية في لبنان، ألغيت وزارة الصناعة، وخاضت الجمعية معركة إعادة هذه الوزارة، وحاولت استعادة بعض من دورها التاريخي، سواء في تأسيس مركز تنمية الصادرات، وفي مطالبتها المستمرّة بخفض أكلاف الصناعيين... إلا أن عددا كبيرا من الصناعيين الذين اتصلت بهم «الأخبار» صرّحوا بفقدان الجمعية لدورها التاريخي، وأن الانتخابات المقبلة يجب أن تجرى تحت عنوان استعادة الدور. دورها في قيادة حركة أصحاب العمل، وفي تأثيرها كـ«لوبي» إنتاجي في لبنان.
أما تركيبة الجمعية اليوم، فهي على النحو الآتي: بلغ عدد المنتسبين الذين يحقّ لهم التصويت في الانتخابات التي ستجرى في مطلع نيسان المقبل، نحو 710 صناعيين. أكثرية هؤلاء، أي بنسبة 65% هم مسيحيون، من بينهم غالبية توصف بأنها «الأكثرية الصامتة»، التي تقف بين القوات والكتائب من جهة، والتيار الوطني الحرّ من جهة ثانية. يضاف إلى هؤلاء نحو 12.5% من الأرمن، و9% للسنة و9% للشيعة و4.5% للدروز. طبعاً، كل هؤلاء يحسبون سياسياً على هذا الطرف أو ذاك. فلا السنة يترشّحون من دون موافقة تيار المستقبل، ولا الشيعة يترشحون من دون مباركة الرئيس نبيه برّي وحزب الله، ولا الأرمن يقدمون على أي خطوة بلا موافقة الأحزاب التي ينتمون إليها. أما بالنسبة إلى المسيحيين، فإن الانقسام بينهم يمكن تصنيفه بين التيار الوطني الحر والكتائب والقوات.
حتى الآن لم يعلن ترشيحه سوى رامز بو نادر. أما منافسه فادي الجميل، فهو يطالب في كواليس الاجتماعات بين الصناعيين بتطبيق الاتفاق الذي عقده مع نعمة افرام قبل أربع سنوات. على هذا الأساس، كان التفاوض بينهما لا يزال قائماً. في اللقاء الأخير الذي جمعهما، طالب الجميّل بحقّه في الوصول إلى الرئاسة بعدما تركها لتزكية افرام، مشيراً إلى أن بو نادر كان من داعميه الأساسيين. في المقابل، ردّ بو نادر بالإشارة إلى أنه لم يكن موافقاً على هذا الاتفاق، وأنه طلب من الجميل عدم السير فيه... أثناء النقاش بينهما طرح بو نادر قضية معهد البحوث الصناعية وسلب حقوق الجمعية في مجلس إدارته، فردّ الجميل بوضوح أنه لا يوافق على طريقة بو نادر في طرح الموضوع ومعالجته. بو نادر كان قد قدّم ورقة شاملة عن فقدان حقوق الجمعية في المعهد على يد وزير الصناعة، ما أثار حفيظة الموافقين على التفريط بهذا الحقّ... فكان ردّ الجميل واضحاً أيضاً لجهة رغبته في الذهاب إلى تسوية الموضوع «بهدوء».
في المحصّلة كان الطرفان غير متفقين على مسار واحد للعملية الانتخابية ومختلفين على أيهما سيمثّل الصناعيين في الجمعية. الأكيد أن بو نادر يعدّ نفسه «غير معني»، كغيره من الصناعيين، باتفاق الجميّل ــ افرام. أما الجميّل، فهو قد أجرى جولته على المرجعيات المسيحية وأطلعهم على الاتفاق وعلى نيته الترشّح، وهو مستمرّ في المطالبة بتنفيذ الاتفاق.
كل هذه الوقائع التي يرويها الصناعيون، ستتشابك خلال الأسابيع المقبلة مع الناخب الأكبر في جمعية الصناعيين، اي المصالح. الصناعيون لديهم حسابات متصلة بصناعاتهم وبعلّة وجودهم واستمرارهم في لبنان. فالجميع لديه مشاكل كانت غائبة خلال ولاية مجلس الإدارة الحالي. والصناعيون لديهم تمثيل أساسي «مفترض» في ما يسمّى تجمّع «الهيئات الاقتصادية» أي تجمّع أصحاب رؤوس الأموال في لبنان... لكنهم اليوم باتوا على هامش هذا التجمّع وانحسر دورهم لمصحلة غرفة التجارة في بيروت، حتى إن التفويض الذي كانت جمعية الصناعيين تحمله من هيئات أصحاب العمل للاهتمام بأمور الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لم يعد قائماً.
كذلك، يعدّ الصناعيون محور تشغيل معهد البحوث الصناعية، لكن سرعان ما تبيّن أن رئيس الجمعية استغنى عن هذا الدور لمصلحة وزير الصناعة الذي أجرى تشكيلات في تركيبة مجلس إدارة المعهد تقلّل من دور وفعالية الجمعية في إدارة هذا المعهد. ويأتي هذا الأمر بعدما انحصرت مهمات المعهد بإجراء الفحوص لعمليات الاستيراد على حساب إجراء البحوث الصناعية، أي إنه أصبح معهد الفحوص للتجار لا معهد البحوث للصناعيين.
أما قصّة أكلاف الصناعيين ومركز تنمية الصادرات الصناعية، فهما قضيتان نائمتان منذ فترة طويلة. ووفق أحد الصناعيين، فإن إنشاء مراكز التجمع الصناعية التي يمكنها أن تنتج الكهرباء لتشغيل المصانع بإشراف هيئة مستقلّة، لم يترجم، وبقي على الورق، على الرغم أن مرسوم تحديد مهمات وصلاحيات الهيئة صدر منذ عام 2005، وأن قانون إنشاء الهيئة صادر منذ عام 1979.