أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الخوف الجماعي يضرب الضاحية: الاقتصاد المريض

الجمعة 21 شباط , 2014 08:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 3,466 زائر

الخوف الجماعي يضرب الضاحية: الاقتصاد المريض

 قلقهم من التفجيرات يسيطر على عاداتهم الاستهلاكية. فيروس «الخوف» لا يصيبهم وحدهم، بل ينتشر إلى رواد الضاحية من المناطق المحيطة أيضاً. سريعاً يتحوّل الأمر إلى نمطٍ سلبي ينعكس على أوضاع المؤسسات التجارية. أشهر قليلة تفصل هذه المؤسسات عن اتخاذ إجراءات جذرية تصل إلى الإقفال النهائي. بعضها أقفل، ومنها من ينتظر

محمد وهبة

تترنّح الحياة التجارية في الضاحية الجنوبية بين الحياة والموت. لهذا الوضع درجات تختلف بحسب قرب المناطق وبعدها عن وسط حارة حريك، أي وسط المنطقة المستهدفة بالسيارات المفخخة والانتحاريين. كلما ابتعدت جغرافياً عن هذه النقطة، تصبح درجة الرعب أقلّ. بئر العبد، الرويس، الصفير، معوّض، الغبيري، طريق المطار، هي مناطق الدرجة الأولى من الرعب. باقي المناطق لا يمكن تصنيفها في درجة ثانية، بل هي تعيش رعباً بوتيرة مختلفة. كل سكان الضاحية في الوعاء نفسه. غالبية مؤسسات هذه المنطقة هي متوسطة وصغيرة، وقلّة منها هي مؤسسات كبيرة. قدراتها متفاوتة على الصمود بوجه التحوّلات التي دخلت إلى نمط الاستهلاك بفعل «رعب التفجيرات». غالبية المؤسسات ضعيفة. بعضها لجأ إلى صرف العمال توسلاً للصمود في وجه الركود القاتل، وبعضها بات على قاب قوسين أو أدنى من إشهار إفلاسه. بعضها أقفل. لكن الكل ينشد: «صامدون»! أي درجة من الصمود تحتمل مؤسسات الضاحية؟

 

سوق السكن والبناء

 

وراء مشهد التفجيرات في الضاحية، تقف مؤشرات اقتصادية واجتماعية مؤلمة كمشاهد الأشلاء المنتشرة بعد كل انفجار. تراجع كبير في حركة الاستهلاك يدفع المؤسسات إلى تقليص أعبائها عبر صرف العمال، وصولاً إلى الإقفال. بطالة أبناء الضاحية تطرق الأبواب. هم أصلاً يعبّرون عن خوفهم الجماعي. يظهر الأمر بوضوح في سلوكهم وردود أفعالهم. الموت ينتشر بين أحاديثهم. يهلعون حيناً ويتناسون أحياناً، لكن حاجاتهم تفضحهم. خوفهم يترك أثراً واضحاً في القلب الاقتصادي لهذه المنطقة التي تشهد جموداً غير مسبوق، ابتداءً بتجارة «الكماليات»، وصولاً الى الشقق السكنية.

بعد الانفجار الأول في بئر العبد، قبل بضعة أشهر، ساد اعتقاد لدى سكان المنطقة بأن السكن فيها بات يحمل مخاطر مرتفعة. إلا أنه رغم ارتفاع مستوى الخطر، لم يأخذ الخوف الجماعي طريقه في اتجاه تنفيذ رغبة الكثير من المقيمين في مغادرة الضاحية. التفجير الثاني في الرويس كان أكثر إيلاماً. يومها ضربت مواقع التواصل الاجتماعي موجة إعلانات عن بيع شقق في مناطق الوسط، سواء في بئر العبد، حارة حريك، الرويس، معوّض... هذه الموجة لم تصمد أكثر من أيام قليلة، لتذوب لاحقاً. أما بعد تكرار الانفجارات، وخصوصاً في حارة حريك، فقد استعاد بعض سكان وسط الضاحية نيات الخروج من المنطقة جديّاً. يقول رئيس رابطة المهندسين الإنشائيين توفيق سنان إن «أسراً عدّة تمتلك مساكن في تلك المنطقة أطلقت عملية بحث عن مستأجرين لمنازلهم، وبدأت تبحث عن شقق للاستئجار في الضواحي الشرقية لمدينة بيروت. أما أسعار الشقق السكنية في الضاحية، فقد تراجعت بسبب الخوف والقلق بنسبة لا تقلّ عن 15%». ويضيف سنان، «إن هناك الكثير من المعايير التي تعتمدها الأسر لاتخاذ القرار، فإذا كان الزوجان يعملان خارج الضاحية ويحتاجان إلى التنقل كثيراً في الدخول والخروج، تميل الكفّة في اتجاه الخروج النهائي، أما إذا كان لديهما أولاد في مدارس خارج الضاحية، فالخطوة قد تصبح ضرورية...».

بعيداً عن معايير الأسرة القلقة والخائفة من التجوال في هذه المناطق، فالسوق العقارية في الضاحية «لا تشهد مشاريع جديدة»، على ما يقول المهندس حسن حجازي. هذا الأخير لديه تجربة واسعة في تجارة البناء في منطقة الضاحية تدفعه إلى الحديث عن وجود عرض لبيع الشقق السكنية أكثر من الطلب، لكنه يؤكد أن «الشقق السكنية الكبيرة تراجع الطلب عليها بصورة حادّة، وهذا الأمر يعود إلى وجود جمود في الحركة العقارية بصورة عامة، وأضيفت إليه عوامل الخوف من التفجيرات خلال الأشهر الأخيرة».

تداعيات هذا الوضع على اللاعبين في السوق شبه واضحة؛ الكبار والذين بإمكانهم التحمّل سيبقون في السوق بعد تقليص أعمالهم، أما اللاعبون الصغار فليس لديهم قدرة كبيرة، رغم أن تجارة العقارات لم تبد أي ضعف بعد بسبب الثروات التي راكمها بعض تجار الأبنية والتي زادت من قدرة تحمّلهم. وبحسب سنان، «فإن الأزمة ستظهر خلال الأشهر التالية لأن مشاريع البناء تتطلب 3 سنوات في المتوسط، وبالتالي فإن المشاريع القائمة ستستكمل من دون أن تكون هناك خطط لمشاريع جديدة».

مهما تكن الحال، فإن قرار الأفراد بالسكن في الضاحية أو الانتقال إلى خارجها، مرتبط أكثر بوجود توازن بين مداخيلهم والأسعار. هذا التوازن كان مفقوداً لفترة طويلة في الضاحية، وبالتالي فإن قرار الخروج من الضاحية قد لا تكون له ترجمته العملية، فلا يؤدي إلى انهيار كبير في الأسعار. وحتى لو حصل الانهيار، فإن قدرة تجار العقارات على الصمود كبيرة، نظراً إلى الاهتمام والدعم الذي يحظى به هذا القطاع من مؤسسات الدولة على حساب باقي القطاعات.

 

تجارة وصناعة

 

إذا كانت سوق الشقق في الضاحية تعبّر عن أحوال المنطقة ومستوياتها بصورة عامة، فإن العقارات التجارية وحركة التجارة معبّرة أكثر عن أحوال سكانها وعن سلوكهم وعاداتهم الاستهلاكية التي تنبض اليوم بـ«خوف جماعي». في هذا المجال، تعدّ سوق معوّض علامة فارقة في مناطق وسط الضاحية، أي تلك التي تحيط بحارة حريك. هذه السوق، فقَدَت خلال الأشهر الماضية أكثر من 50 محلاً تجارياً ليصبح عدد محالّها 85، على ما يقول رئيس لجنة تجار معوض عصام العبدالله.

محال الألبسة ليست هي الأكثر انتشاراً هناك فحسب، بل مصانع الألبسة أيضاً، وفي المجمل يصل عدد العائلات التي تعتاش من سوق معوض إلى 4000 أسرة. مصيرها غير واضح مع فقدان السوق حصّة واسعة من مبيعاتها التي كانت تعتمد على الزبائن من خارج الضاحية. هذه الفئة من الزبائن توقفت عن زيارة شارع معوّض، حيث ينحصر الرواد بأبناء المنطقة. الزبائن من خارج المنطقة كانوا يمثّلون حصّة كبيرة من مبيعات المحالّ التجارية ومصانع الألبسة هناك «كانوا يأتون من البقاع والجبل والضواحي الشرقية...» وفق العبدالله. باختصار، هم زبائن الطبقة المتوسطة وما دون، وهم الذين كانوا يبحثون في سوق معوّض عما ينسجم مع أذواقهم ويتناسب مع مداخيلهم. اليوم «نحن في وضع لا نحسد عليه، ولا يمكن القيام بخطوات تحفيزية للمستهلكين، فعلى سبيل المثال لا يمكن إقامة مهرجان في ظل هذه الأوضاع». أما أبناء الضاحية «فقد حدّوا من استهلاكهم ولم نعد نشعر بوجود إنفاق يشبه المستويات السابقة» وفق العبدالله.

في غمرة هذا التراجع، تصبّ لجنة تجار معوّض تركيزها على «التعاون بين أصحاب العقارات والتجّار لزيادة قدرة التجار على الصمود. أما من يملكون محالّهم التجارية، فقدرتهم أقوى بالتأكيد». رغم ذلك، يشير بعض تجار المنطقة مثل «ضيا ستورز»، الى أن الإيجارت التجارية «تراجعت بنسبة كبيرة تصل في حدّها الأدنى إلى 40%، لأن المنطقة قلقة وتعيش حالة من الرعب التي قد تدفع المستهلك إلى تصنيفها غير مرغوبة».

 

محالّ قاروط

 

«قاروط» هو تاجر آخر يمثّل قاطرة أساسية في الضاحية الجنوبية، ولا سيما في منطقة الوسط. هو ليس علامة عادية في حياة الضاحية، بل هو أكبر مستقطب للزبائن الأثرياء والفقراء من خارج الضاحية. بعض نساء أكبر الصناعيين والتجار في لبنان يزرن «قاروط» لشراء حاجاتهنّ من أدوات منزلية وزجاج وتحف وهدايا وسواها، لكن هذا التاجر شعر بأن هؤلاء الزبائن علّقن نشاطهنّ معه. وبحسب رئيس مجلس إدارة قاروط، عطوف قاروط، فإن «الحركة تراجعت بنسبة 20% بصورة عامة، لكن التراجع قد يصل إلى 60% أيام التفجيرات، ثم تعود إلى الارتفاع تدريجاً مع مرور الأيام». محالّ قاروط تشبه باقي محالّ الضاحية التي تعتمد على زبائن من خارج سكان الضاحية. «نسبة هؤلاء تراجعت كثيراً، أما زبائننا الذين استمروا بزيارتنا لشراء حاجاتهم فهم لا يبقون أكثر من ربع ساعة خلافاً لعاداتهم السابقة في تمضية ساعتين أو أكثر. الزبائن قلقون، ويريدون الانتهاء بسرعة والعودة إلى منازلهم للتخفيف من مخاطر التجوّل في شوارع الضاحية». لكن اللافت بالنسبة إلى قاروط «أن التفجيرات كان لديها مدى زمني أطول في التأثير السلبي، خلافاً لما يحصل اليوم من تأثير قوي يمتد ليومين أو أقلّ، ثم يتراجع التأثير المباشر إلى حدّه الأدنى خلال أسبوع. الناس بدأت تعتاد على حياة المخاطر». لكن ماذا عن قدرة الصمود؟ يقول قاروط إنه اتخذ بعض الإجراءات، منها التوقف عن التوظيف بدلاً من الذين تركوا العمل وعددهم 35 عاملاً، لكن «إذا استمرّ الوضع لفترة 5 أشهر، فلا بد من أن أتخذ إجراءات مختلفة تصل إلى صرف للعمال».

 

قطع السيارات في الغبيري

 

ماذا عن الغبيري التي تتخصص في بيع لوازم وقطع غيار السيارات؟ هل الحركة طبيعية في هذه المنطقة المعروفة بكونها «مخزناً» لكل المناطق؟ سريعاً يجيب تاجر قطع السيارات محمد قعوار، بأن المبيعات تراجعت بين 50% و60%. الرقم كبير، لكن تجارة هذه المنطقة ليست مؤشراً على أعمال ضرورية جداً، وليست محصورة بتجارة المفرّق. «كنّا نبيع قطع غيار السيارات المستعملة والجديدة للبنانيين الوافدين من خارج الضاحية، وللتجار العراقيين والأردنيين والسوريين أيضاً. هذا الجانب من التجارة تقلّص كثيراً، وبات عملنا يقتصر على الزبائن من سكان المنطقة، وهؤلاء توقفوا عن شراء قطع لسياراتهم إلا في حال الضرورة».

 

أطباء الأسنان

 

دارت الدوائر بالضاحية إلى هذا المستوى من الخوف، إلا أن ما قيل لا يعكس كل الصورة! نائب رئيس نقابة أطباء الأسنان محمود قطايا يتحدث عن تراجع كبير في أعمال أطباء الأسنان المنتشرين في منطقة وسط الضاحية. في رأيه، أن طبابة الأسنان تعتمد بصورة أساسية على عاملين؛ المعارف، والأسعار. الأولى تتعلق بصيت الطبيب ومهارته، والثانية بالأسعار التي يقدّمها للزبائن. وعلى هذا الأساس كان أطباء الأسنان يستقطبون زبائن من خارج الضاحية هم من أبناء الطبقة المتوسطة وما دون، وكان يحصل تبادل بين الطبقات الثرية، إذ كان سكان الضاحية المقتدرون يبحثون عن طبيب أسنان أكثر شهرة. ومن مجمل الزبائن المستقطبين، هم من سكان بيروت ومن الضواحي الشرقية والضواحي الجديدة في بشامون وعرمون وخلدة وسواها... لكن بعض العيادات كانت تعتمد أيضاً على الزبائن العراقيين الذين كانوا يأتون خصيصاً لعلاج أسنانهم في الضاحية. «القسم الأكبر من الزبائن توقفوا عن الدخول إلى الضاحية، أما العراقيون فتوقفوا عن القدوم إلى لبنان بهدف طبابة الأسنان».

 

التقشف حتى في الغذاء

 

لا شكّ أن الخوف والقلق من التفجيرات يستدعي الحذر والتقشف والابتعاد الحغرافي والزمني... في مثل هذه الحالة، من المقبول أن تضع الأسر أولوياتها على أساس الادخار لا الإنفاق، وبالتالي يصبح استهلاكها محصوراً بالأمور الضرورية. وفي هذا السياق، يكون منطقياً أن تتوقف صيانة السيارات على الأمور الضرورية، ويعتمد قرار علاج الأسنان على الأوجاع الحادّة، ويتحوّل شراء المواد المنزلية والهدايا والتحف من سلعة ترفيهية إلى حالات الاضطرار، وبالتالي لا تعدّ الملابس حاجة لا يمكن تأجيلها، أما شراء عقار فهو أمر متاح في غير مناطق... سلوك المستهلك وعاداته تنسجم مع هذه التطورات وتتفاعل معها، لكن هل بلغ الخوف درجة التقشف في المواد الغذائية؟

«تقشف الأسر اللبنانية وصل إلى حدود المواد الغذائية والضرورية». يجيب مالك شركة سنو وأولاده التجارية، محمد خالد سنو. هذا الرجل الذي يبيع الحليب والشاي وأصنافاً غذائية أخرى، يشير إلى أن سوق الضاحية يمثّل حصة كبيرة من مبيعات شركته، لكن «الناس تخاف من التبضّع ولا تشتري سوى ما يلزمها. الأمر واضح، والجميع خائف. سلوك المستهلك يرتبط بمدى راحته النفسية. في حالات القلق والخوف يتخلى المستهلك عن الكماليات، ثم تأتي الملابس لاحقاً... وفي نهاية هذا السلّم هناك المواد الغذائية. اليوم بلغنا أسفل درجة في سلّم تقشف الإنفاق».


الاخبار 

Script executed in 0.17262005805969