أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

جنبلاط قلق من «جيش لحد» في الجولان

الإثنين 03 آذار , 2014 06:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,779 زائر

جنبلاط قلق من «جيش لحد» في الجولان

فراس الشوفي

الطريق من دوار المدفع (بيت الدين ـــ بعقلين) في اتجاه بلدة مزرعة الشوف، اكتظّ أمس منذ الصباح الباكر بجنود الجيش وقوى الأمن الداخلي. ثمّة قلق أمني واضح هنا، لم يعتده الشوف منذ ما بعد الحرب الأهلية. ومع ذلك، لا شيء يبدّد السكون المعتاد في القرى الشوفية.

 

قبل عامٍ تقريباً، قُتل المغوار في الجيش اللبناني جاد البعيني وأصيب توأمه بشار بجروحٍ بالغة، بعد إشكالٍ مع مناصرين للحزب التقدمي الاشتراكي، بينهم أيمن الفطايري، أحد مسؤولي الحزب في بقعاتا. سريعاً، سلّم الاشتراكيون المتهمين بالجريمة، وتمسكوا يومها برواية «الإشكال الفردي»، في حين تمسّك الوزير السابق وئام وهّاب، الذي يُحسب عليه والد التوأم نزار البعيني، بأن دم جاد لن يكون فتيلاً لفتنة في الجبل.

بالفعل، لم يكن دم جاد فتيلاً لأي شيء. ما إن توقّفت أمس سيارة الـ«رانج روفر» أمام قاعة آل البعيني في المزرعة في تمام الساعة 11 صباحاً، حتى ترجّل منها النائب وليد جنبلاط ووهّاب، يرافقهما الشيخ سليمان الصايغ، نائب الأخير، وتيمور وليد جنبلاط. الحضور معاً من المختارة، إلى مصالحة يرعاها الرجلان بين آل البعيني من جهة، وآل الفطايري والأشقر من جهة ثانية، له أكثر من دلالة.

في الساحة الكبيرة، أمام القاعة، انتظر المشايخ وأهالي البلدة كباراً وصغاراً، وأهالي قرى بعذران وجديدة الشوف والخريبة المجاورة. جلس بشّار على كرسي في صفّ طويلٍ من الرجال والمشايخ، وعلى حضنه ألقى عكازين، فالإصابة في الظهر تحتاج إلى وقت إضافي ليشفى تماماً. صورة جاد ببزّته العسكرية لم تعلّق فقط فوق المدخل الكبير. إذ لبس بشّار وأقرباء العائلة «تشيرتات» سوداء طُبعت عليها صورة الفقيد.

عند الحادية عشرة والربع، كان المكان يضيق شيئاً فشيئاً. جنبلاط ووهاب في بداية الصّف، يستقبلان الحاضرين الكثر، ويضع كلٌ منهما يده اليمنى فوق صدره، بينما أعطى أحد المشايخ توجيهاته للقادمين: «مْشَالَحَة، مْشَالَحَة»، أي من دون مصافحة. وفي لحظة حاسمة، صافح والد الفطايري والد جاد وتوأمه، وتبعه وفد عائلة الفطايري والأشقر والهاني.

في داخل القاعة، عصا الشيخ أبو سليمان حسيب الصايغ الخشبية مسمّرة في يده، وفوق رأسه لفّة كبيرة بيضاء، يسمّيها الموحدون الدروز «لفّة مكولسة». جلس جنبلاط إلى يساره، وتيمور إلى يمينه، وإلى يمين تيمور، قائد الشرطة القضائية العميد ناجي المصري. بينما اتخذ وهّاب مكانه بين جنبلاط والشيخ أبو علي سليمان أبو ذياب. وفي الداخل، أيضاً، راقب الشيخ سلمان ماهر، وهو أحد المفاوضين الأساسيين في عمليّة المصالحة، وجوه الحاضرين من دون أن يترك كرسيّه قرب المنبر.

تقريباً، لا فوارق تذكر بين ما قاله أغلب المتعاقبين على المنبر: تحيّات لجنبلاط ووهّاب، وتأكيدٌ على روح المصالحة والتسامح. عريف الحفل سليمان البعيني، اجتهد قليلاً، وذكّر وهّاب بأن «الخلاف السياسي لا يفسد في الودّ قضيّة». أمّا القاضي الشيخ فؤاد البعيني، فكرّس ثلاثية درزية جديدة: «جنبلاط، وهّاب والأمير طلال أرسلان». وأثناء وقت الكلمات الطويل، كان جنبلاط يستلّ من جيبه ورقة صفراء كتب عليها بضع كلمات، ودوّن ملاحظاتٍ جديدة.

لامس وهّاب في كلمته حدود السياسة، من دون أن يغوص فيها. غمز من قناة «طائفة الموحدين العرب المسلمين الدروز (التسمية التي أطلقها جنبلاط في بيانٍ له قبل أيام)». ولـ«أننا مقبلون على سنوات صعبة وقاسية»، رسم وهّاب دوراً للدروز: «دعم خيار الدولة، والمساهمة في إطفاء أي حريق سياسي أو أمني على مستوى لبنان ككل، وإذا لم نتمكن من ذلك، فما علينا إلا حفظ هذا الجبل بكل مكوّناته». أمّا جنبلاط، فابتعد كلّ البعد عن السياسة. ذَكَّرَ وهّاب، بمزاحٍ خفيف، بأنه «رفيق سابق في الحزب الاشتراكي»، وشكر عائلة الفقيد لأنها أسقطت حقها الشخصي، مؤكّداً أن «الحق العام سيأخذ مجراه».

ربّما لم تتم المصالحة بين العائلات لو لم يتبدد الجفاء بين البيك ورئيس حزب التوحيد العربي. فمواساة وهّاب لجنبلاط في خسارة أقرب الناس إلى قلبه قبل أشهر، والدته مي جنبلاط، محت كلّ ما عكّر علاقة الطرفين.

في الحسابات «الضيقة»، كسب وهّاب من المصالحة ما لم يكن ليكسبه في مزرعة الشوف طوال حياته السياسية. البلدة التي تُعد حاضنة تاريخية لآل جنبلاط، مع وجود تاريخي للحزب السوري القومي الاجتماعي فيها، أعطت وهّاب أمس اعترافاً، كطرف فاعل، على بعد كيلومترات قليلة من المختارة، يضاف إلى تكريس المشايخ وكلماتهم له، كزعامة سياسية جديدة إلى جانب زعامتين تقليديتين.

تبقى الحسابات «الكبيرة». ابتعاد جنبلاط عن السياسة في كلمته، لا تعني أن البيك لا يشعر بالقلق من الآتي. ما لم يقله على المنبر، همس به همساً: «نحن على خطّ الحرب الباردة الجديدة، من لبنان إلى أوكرانيا». يدرك جنبلاط أن المنطقة في مرحلة إعادة تكوين جديدة، وأن امتداد الدروز الجغرافي من جبل لبنان إلى جبل الشيخ، فجبل العرب يعني حكماً دوراً أساسياً لهم في أي لوحة جديدة قد ترسمها الحروب المستعرة. لا يخفي البيك قلقه من «ميليشيا جيش لحد جديدة في الجولان السوري»، ليكون قلقه مكمّلاً لما أعلنه قبل أيام عن اعتراضه على «مشروع درزي أميركي»، واعتراضه على «سلوك» بعض المشايخ الدروز في لبنان.

«الله يقدّم اللي فيه الخير»، تردّدت العبارة كثيراً يوم أمس. وربّما، لم يكن الدعاء محصوراً في المصالحة وحدها. وعلى ما يعكسه الفاعلون في شؤون الدروز، الأيام المقبلة تحتاج إلى أكثر من الدعاء.

 

Script executed in 0.19197607040405