أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

بينوكيو اللبنانيين

الثلاثاء 04 آذار , 2014 11:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,065 زائر

بينوكيو اللبنانيين

غسان سعود – صحيفة الأخبار

 

دعكم من خطاب الرئيس ميشال سليمان الأخير وردود الفعل عليه. يتجاوز «التخشيب» اللغة هنا وهناك، ليطال رسوم الفريقين الكاريكاتورية والبرامج الفكاهية والراقصات. راقصات الفريقين «تخشّبن». خشب من نوع يقول النجارون إنه لا ينفع لشيء: «خشب سحاحير». اخترع الإيطاليون لأنفسهم دمية بينوكيو الخشبية بأنفها الطويل، واخترع اللبنانيون لأنفسهم طبقة من السياسيين الخشبيين يرأسهم ماريشال خشبيّ هو الآخر. يتلهّى الإيطاليون بدميتهم الخشبية، فيما تتلهّى الدمى الخشبية باللبنانيين.

 

قبل بضع سنوات، تحديداً عام 2006، كان الأستاذ الراحل جوزف سماحة يناقش يميناً ويساراً في كيفية تجاوز حاجز اللغة الخشبية في الدفاع عن حق الشعوب في مقاومة الصهيونية والرأسمالية والإمبريالية. لم يكن يتخيّل درك الخشبية الذي سيصل إليه خطاب المعارضين للمقاومة ومنتقدي خشبيتها. لم تلبث حرب تموز ـــ بما سبقها من تفاهمات، وتخللها من إنتاج تلفزيونيّ متقدم، وتبعها من ألوان في ساحة الشهداء ـــ أن أغنت لغة المقاومة وليّنتها لتعبر من منافذ ضيقة إلى أماكن كانت موصدة في وجهها. ولاحقاً لعب التعارف الافتراضي الذي استجد بين اللبنانيين دوراً كبيراً في تحقيق ما كان سماحة وغيره يحلمون به لناحية إبراز الوجه الإنساني لـ«الشعارات الخشبية».

فعل حزب الله هنا ما كان يفترض بخصومه وحلفائه فعله أيضاً، لكنهم عمدوا بعكسه إلى تخشيب لغتهم أكثر فأكثر، مغلقين على أنفسهم الأبواب والنوافذ بالأخشاب. ليّن حزب الله خطابه الداخلي من جهة وخطاب العداء لإسرائيل رغم عدائه ومن يمثّل المطلق للجاثمين على قلب فلسطين، مقابل تخشيب خصومه خطابهم المذهبيّ من جهة وخطاب المهادنة من جهة أخرى. لا يتحملون هم وحدهم المسؤولية، فهم يراعون الذوق اللبنانيّ العام. هناك أكثرية تفضّل أن يكون زعيمها خشبيّاً: لا يسمع ولا يرى ولا يشعر أو يشم، يحترق قبل أن يحمى. وحتى في أوساط حزب الله، يؤيد جمهور الحزب النائب والإعلامي والسياسي الأكثر خشبية من غيره. صقور الأحزاب، من المستقبل إلى المردة مروراً بالتيار الوطني الحر والتقدمي والكتائب والقوات، خشبيّوها.

حمل الرئيس سليمان في اليومين الماضيين، افتراضياً خصوصاً، أكثر مما يمكن الدمى الخشبية نفسها أن تحتمل. لا يعلم منتقدوه أن شاعر عنجر سابقاً يقرأ فحسب ما يكتب له: لعله لم يلتفت عند مراجعته النص، قبيل إلقائه، إلى العبارة. لعله وقع في فخ التكرار التقليدي لعبارات شائعة نادراً ما يدرك مستخدموها مقاصدها. ففي خطاب الكسليك تكدّست العبارات المسروقة من نثر الأدباء، مثل: «لا أحد يأتي من اللامكان» و«التاريخ قصة العلاقة الأزلية بين الجغرافيا والديموغرافيا»، من دون أن ينسب الخطيب الأقوال طبعاً إلى أصحابها. يستعين كتبة الخطابات بالأمثال الشعبية والعبارات الشائعة لتطريز الحشو في خطاباتهم. هو يعلم أن كل ما حوله خشبيّ باستثناء معادلة الجيش والشعب والمقاومة. لكنه يشعر بأنفاس هذه المعادلة تخنقه ويديها تدفعانه عن تلة القصر الجمهوري.

انكسرت في السنوات القليلة الماضية خشبية الممانعة أمام خشبية خصومها. لم يعد التحدي تجاوز حزب الله الخطاب الخشبي، بل التفات خصومه إلى الخشب الذي في خطابهم. لا أحد ينتظر رئيساً يحرق الأخشاب الضارة، لكن المطلوب أقلّه رئيس لا يتمترس خلفها، لحماية نفسه من الشعب والجيش والمقاومة. أقصى المراد شخص يملك الحد الأدنى من الصدق مع الذات ليشعر بالخشبة التي في عينه، قبل النظر إلى القشة التي في عين غيره.

Script executed in 0.1907069683075