يعني، يقرر هؤلاء وصفاً لما يقوم به الإعلام، يقصدون منه، تحريض القضاء على «القيام بدوره» في مواجهة إعلام؛ لأنه بنظر السلطة خالف القانون. والسلطة هنا تريد فرض قواعد أساسها أن أي انتقاد لأي الشاغلين للمناصب في كافة السلطات، إنما هو مخالفة للقانون، وأن استمرار النقد هو ليس إصراراً من الإعلام على القيام بدوره في مواجهة خونة ومجرمين وقتلة وسارقين وفاسدين، بل هو تحدٍّ لسلطة القانون، وبالتالي تحدٍّ لسلطة القضاء.
أضف إلى ذلك محاولة بعض القضاة من الذين يقبلون الخضوع لنفوذ السلطة السياسية أو لنفوذ رأسماليين كبار في الدولة، لجعل كل تدقيق في عملهم، أو نقد لاجتهاداتهم، أو اعتراض على أحكامهم، كأنه عمل ضد كل القضاء. وهؤلاء يسعون إلى قيام عصبية داخل الجسم القضائي، على شاكلة العصبيات القبلية الطائفية والسياسية المنتشرة في البلاد. ويريد هؤلاء من الجسم القضائي عدم الأخذ بأي نقد، بل المسارعة إلى رفضه، وإلى نزع الحصانة عن كل من يسائل قاضياً أو حكماً.
اليوم، يعرف الناس في مواقعهم كافة، ما هو المعنى الدستوري والقانوني لموقع النائب العام التمييزي. كما يعرف الجميع الطبيعة الإدارية لمؤسسة مجلس القضاء الأعلى. ويعرف الناس التأثيرات السلبية على القضاء، لكل تشكيلات قضائية تتدخل فيها السلطات السياسية والطائفية. ومع ذلك، فإن في جسم القضاء من يرفض هذه الحالات الشاذة، ومن يسعى إلى تحقيق خطوات تتيح استقلالية لا بد منها، لحفظ حقوق الدولة والشعب في الوقت نفسه.
ما نتعرض له في «الأخبار» غير قابل للعلاج على طريقة المراضاة والمحاباة. أصلاً، نحن لا نصلح لمثل هذه الألعاب. ولن نغشكم بأن نتعهد لكم بما لن نلتزم به. وما نراه صالحاً أو قابلاً للعلاج، هو الإقرار بحقنا في كشف كل الموبقات، والإقرار بحقنا ـــ وواجبنا ـــ بالتشهير بكل من يتجاوز صلاحياته، أو يتدخل في شؤون غيره، أو يغطي فاسداً في الدولة أو خارجها، والإقرار بحقنا في مراقبة كل مسؤول عن موقع عام، بمعزل عن نوعية الموقع وعن اسم شاغله أو طائفته ومذهبه أو ميله السياسي. هو حق لنا لمراقبة رئيس الجمهورية ورئيس المجلس النيابي ورئيس الحكومة والوزراء والنواب والمديرين العامين والمرجعيات العامة، سواء كانت مدنية أو دينية، وقادة القوى السياسية الذين يتنافسون على كسب الرأي العام. هذا حق، لن تنفع كل مراضاة أو محاباة في انتزاعه منا. فكيف إذا كان الأمر يتعلق بحق عام مقدس، وغير قابل للتشكيك في أي طريقة من الطرق، وهو حق المقاومة الأشرف ضد العدو وعملائه؟
ولأن حربنا ضد كل أنواع الفساد تحتاج إلى معين من داخل مؤسسات الدولة، فنحن نرى في القضاء شريكاً، وعندما ننقده أو نتناوله احتجاجاً أو تمنعاً، فهو لإدراكنا أننا من دونه لن نحفظ حقوق الناس ولا حقوقنا.
وفي هذا السياق، أصدر مجلس القضاء الأعلى أول من أمس بياناً متصلاً بمحكمة المطبوعات، وهو بيان يوجب علينا التعليق عليه، انطلاقاً من كوننا نرى في استقلال القضاء ومنعته، مصدر الحماية الأول للحريات العامة ولحقوق المواطنين. وعليه نرى:
أولاً: إن الضمانة الأولى لاستقلال القضاء في ظل سواد ثقافة التدخل في القضاء، هي الإعلام النقدي الحر، وتحديداً الإعلام الذي يتولى فضح التدخلات في أعمال القضاء على اختلافها، والمطالبة بملاحقة المسؤولين عنها من داخل القضاء وخارجه. كذلك فإن الضمانة الأولى للحرية الإعلامية هي استقلال القضاء وتحرره من أي تأثيرات خارجية لمتنفذين يرفضون الخضوع لأي نوع من أنواع المحاسبة. وتالياً، بخلاف ما يشاع، إن الإعلام الحر والقضاء المستقل هما هدفان متكاملان ومشتركان، لأي تفكير وطني إصلاحي، تلتزم به «الأخبار» تماماً.
ثانياً: إن الدافع لأي انتقاد من قبل الجريدة للأعمال القضائية كان وسيبقى - رغم بعض الأخطاء التي لم نهرب يوماً من اعترافنا بها والاعتذار عنها وتحمل عواقبها القانونية - تكريس استقلال القضاء وتعزيزه، على قاعدة أن كرامة القضاء تنجم عن تحقيق هذه الاستقلالية، وليس عن التعامي عما ينتقص منها أو يعكر من صفوها. ومن هذا المنطلق، وإذ نتمسك بصوابية نقدنا لعمل محكمة المطبوعات في ظل الشوائب التي أوضحناها في مذكرة طلب تنحي الهيئة الصادر عن وكيل «الأخبار» القانوني المحامي نزار صاغية (راجع الأخبار العدد 2233 الخميس 27 شباط 2014)، فإننا بالمقابل نرحب بتأكيد مجلس القضاء الأعلى دورَ الإعلام في التنوير الاجتماعي والنقد البنّاء، ونعدّه بدايةً للتلاقي حول القيم والأهداف المشتركة المشار إليها أعلاه.
ثالثاً: تتعهد «الأخبار» تحريرَ مذكرة تحدد سياستها التحريرية في شؤون القضاء، خلال عشرة أيام على أبعد تقدير، وسنعمد إلى نشرها وتعميمها بكل شفافية، ساعين إلى فتح نقاش مثمر في سبيل تحقيق «الخير الوطني العام»، كما جاء في بيان مجلس القضاء الأعلى.