سألنا مراسل اميركي «ذاك الفائض من الخيال الذي كان لديكم، لماذا وضعتموه بين اسنان التيه؟».
بيننا لا يسأل احد عما فعلته الطبقة السياسية بالخيال الذي وصفه اندريه مالرو بـ«الزاد الالهي في الذات البشرية». دولة دون خيال، والا هل كان الماء، الهواء، الكلام، الزمن، يذهب هباء؟
زرنا وزير الاعلام رمزي جريج. ناقشناه في عبارة «المعادلات الخشبية». فسرّها بالفرنسية la langue de bois، واضاف ان رئيس الجمهورية لايقصد المقاومة بل الشعار. الغريب انه غابت عن بالنا ان اسرائيل، بكل تلك الهيستيريا الايديولوجية، موجودة على سطح المريخ لا في عقر دارنا، وقد لاحظنا كيف يتم التعاطي مع الفلسطينيين ككائنات عدمية. هذا ما لمسناه، على كل حال، ونحن نقرأ كتاب بنيامين نتنياهو «مكان في هذا العالم». وها ان الرجل يقول لجون كيري ان رقصة التانغو تحتاج الى ثلاثة…
هل يعترف نتنياهو بالفلسطينيين على انهم بشر ليشاركوه الرقص، او التفاوض على الفتات؟ هل يعترف باللبنانيين؟ وهل يعترف بالعرب؟ حين تكون هناك اسرائيل لا بد من القبضة في وجهها. كثيرون يقولون ان «حزب الله» اخطأ عندما انزلق الى اليوميات السياسية في لبنان، اذ كيف لتلك اليد الفذة التي دحرت الاحتلال ان تتدخل حتى في الانتخابات البلدية؟ هل هذا معقول حقا؟…
لا احد يمكن ان يقنعنا بأن ثمة حدودا للغطرسة، كما للهمجية، الاسرائيلية. لمن شاهد الدبابات وهي تسحق العائلات اللبنانية في السيارات. هي نفسها الدبابات التي سحقت الاسرى المصريين في شبه جزيرة سيناء، وهي نفسها الدبابات ( الطائرة) التي كانت تلقي القنابل الفوسفورية على الاطفال في غزة، وهي نفسها التي تطارد اي محاولة عربية لايجاد ممر (تكنولوجي) الى العصر…
اجرينا ذات يوم مقابلة مع روجيه غارودي، الفيلسوف الذي ادرنا له ظهورنا بتلك الطريقة الفظة والمخزية حين كان يوارى الظل (وهو اشد موتا من الموت) من اجلنا. استغرب، وكان ذلك اثر اتفاقية كمب ديفيد، كيف ان العقل التلمودي استطاع ان يبعثر العرب، وكاد ان يقول ان العرب انتهوا في تلك اللحظة التي وقع فيها مناحيم بيغن وانور السادات على الاتفاقية. الآن، كلبنانيين، العقل التلمودي إياه يبعثرنا…
كما الامة تعيش ذروة الهلهلة، الهلهلة الدموية، يعيش لبنان ذروة الهلهلة السياسية. قال لنا الوزير جريج انه ليس معقولا ان تتحول الشاشات الى حلبات للمصارعة. هكذا فقط، ألا تلاحظون تلك الضحالة السياسية، بل وتلك الببغائية السياسية، ان لم نقل ذاك الابتذال السياسي لدى غالبية اهل السياسة الذين، ويا للغرابة، لا يشعرون انهم باتوا مملين الى درجة تثير التقزز. هل ثمة من يصفق لهؤلاء؟
اجل، هناك من يصفق لهؤلاء، أليست الهلهلة الاعلامية النتاج الطبيعي للهلهلة السياسية وحيث لا شيء في رأس المتحدث سوى اللعبة الغرائزية. لعلنا فقدنا احساسنا بالضجر. لو كنا في بلد راق لما كان الكثير من اهل السياسة يجدون مكانا لهم حتى في الخزائن البالية. احدى الاذاعات تطالعنا كل صباح بحديث مع احدهم من اصحاب السعادة. نقول لتلك السيدة: لماذا ترغميننا على… التقيؤ؟!
نعود الى الوزير جريج الذي اختط طريقه السياسي. قال لنا انه ليس كتائبيا بل حليفا للكتائب، وانه ينتمي الى فريق 14 اذار. لا بأس، ولكن لا بد من التساؤل كيف لذلك الدماغ القانوني والاكاديمي ان يكون مع النصف دون النصف الآخر، وكيف يمكن ان يكون جزءا من ذلك الاصطفاف الثنائي الذي حوّل لبنان، وبكل معنى الكلمة، الى حطام.
الوزير الذي وصفني امام اصدقاء بـ«المشاكس» استغرب كيف ان البطريرك مار بشارة بطرس الراعي لم يتضامن مع رئيس الجمهورية في وجه الحملة التي تشن عليه. وسألناه يا صاحب المعالي هل كانت عبارة «المعادلات الخشبية» معقولة وممكنة من «رمز الوطن وحامي الدستور» وفي هذا الوقت بالذات؟ على كل ثمة من راهن على بيان المطارنة الذي كان له موقفه على كل حال.
ألا تكفي تلك «الجوقة الببغائية» الجاهزة للصراخ دفاعا عن مقام الرئاسة، كما لو ان من مصلحة الرئيس ميشال سليمان تحوله او تحويله الى طرف في هذه الايام المتبقية من عهده، ونحن الذين نعلم ما يقوله عنه في الغرف المقفلة اولئك الذين طرحوا انفسهم كحماة له. أليس هذا جزءاً من الهلهلة السياسية اياها حيث تنتفي الرؤية (والرؤيا) لمصلحة الاثارة والزبائنية، ناهيك بالغرائزية التي ترخي بظلالها، كل ظلالها، على ذلك المشهد السياسي الرث…
الوزير جريج قال لنا ان الدستور حافل بالثغرات. لكن هذا ليس الوقت الملائم لطرح اي عملية اصلاحية. من تراه يتوقع ان تتمكن اللوياجيرغا من مقاربة المسألة الاصلاحية؟ ثمة كونسورتيوم قبلي او مذهبي ويحكم لبنان واللبنانيين. وعندما يكون الاقتصاد عجيبا، والسياسة عجيبة، والدولة عجيبة كيف لا يكون الدستور عجيبا ايضا.
لرولان بارت هذا الرأي «في الشعر، النص يرتدي الوردة او يرتدي الليل. في اي مسألة اخرى، النص يرتدي النص». ماذا يرتدي النص الدستوري في لبنان؟ وماذا عندما يبدو الالتباس الدستوري وكأنه الوجه الآخر للشعوذة الدستورية؟ لاحظوا الخلاف في التفسير وفي التأويل حول كل مادة من مواد صاحب الجلالة الدستور. الهلهلة الدستورية ايضا و ايضا..
مرة اخرى، نعترف بأننا قصاصات بشرية والتقت بالصدفة (مع رجاء ألا تكون الصدفة البلهاء). عودوا الى تلك الحقبة ما بين عامي 1982 و 2000 تدركوا ما معنى كلمة «مقاومة» وما هو مداها. لا يعنينا ابدا ان يكون هناك نواب لـ«حزب الله» ووزراء له. نحن من الذين يعارضون الدخول في هذه اللعبة الملطخة. الذي يعنينا ان ثمة اناسا لم يجف الماء، ولا الدم، على قبورهم. هؤلاء ارغموا الجنود الذين لا يقهرون على الرحيل. ارغموهم على البكاء. لا يعنينا البيان الوزاري بشيء. قصاصة من ورق…
الديار