أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

صيادات.. على باب البحر

السبت 08 آذار , 2014 09:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 17,115 زائر

صيادات.. على باب البحر

تضحك عينا صبيرة العيتاني، كأنها تستعيد تلك اللحظات التي عبرت قبل 37 عاماً من اليوم. لتقول: «متل ما إنت شايفة: صيادة سمك».

تفرد صبيرة شبكتها وتحضر مركبها بمهارة واضحة. لون المياه يزيد من خضرة عينيها، بينما خصت أشعة الشمس محياها بسمرة من قضى عمره يمخر عباب البحر.

الصيادة الأولى التي امتلكت جواز سفر بحريا على طول الشــــاطئ اللبناني في العــــام 1996، كما قالت لها السلطات البحـــــرية، ما زالت تخرج إلى الصيد بالهمة نفسها، منذ أن دفعـــــتها ظــــروف الحياة إلى امتهانه قبــــل 19 سنة من اليوم.

على الخط البحري نفسه، وبالتحديد عند نهايته في الناقورة على الحدود مع فلسطين المحتلة، تروي علوية الشابي حكايتها مع خروجها وراء «رزق البحر» منذ 15 عاماً .

علوية التي ولدت في ساحل العاج، وتعلمت فن العوم بين لآلئه، رفّ قلبها لصياد صيداوي، كان بوابتها إلى الزواج والبحر وشقائه.

علوية وصبيرة، كل منهما، وعلى طريقتها، ركبت المخاطر لتحصيل لقمة عيش للأبناء والعائلة.

خرجت علوية إلى الصيد برفقة زوجها «الحياة صعبة ومتطلبات الأسرة كبيرة»، ولذا كان عليها أن تتعلم «كل شيء، من إصلاح المركب ومحركه في حال تعطله إلى الصيد بالصنارة». علوية علّمت بناتها الثلاث المهنة نفسها: «تتغير الدنيا، ربما يضطررن للعمل في الصيد» تقول.

ومن الناقورة في أقصى الجنوب إلى العريضة في الشمال المحاذي للساحل السوري في اللاذقية، تمتد سلسلة من النساء الكادحات في قطاع الصيد، على طول الشاطئ وعرضه. قلة منهن تخرج إلى البحر، هن يشتغلن كمساندات لذكور العائلة من الأب إلى الأخ إلى الزوج إلى الإبن.

ومعهن، مع النساء الصيادات، يكون للفجر معنى مختلف، ولليل وظيفة لا تمت إلى الراحة بصلة، وللصباح ميزة السعي لبيع ما جاد به البحر. يعبر اليوم بليله ونهاره موزعاً مهمات تختلف عن مهمات العاديات من النساء. ب«المغبونات» يصفن أنفسهن. يعود الغبن إلى الصبغة الذكورية التي تطلق على قطاع الصيد و«كأننا غير موجودات»، وفق ما تقول مديحة من العريضة، لتضيف صفة أخرى «فيك تقولي الجنديات المجهولات. ستجد يدي مديحة منخورتين برؤوس الصنانير التي تحضّرها يومياً، بينما انحنى جسدها من كثرة الانكباب على حياكة الشباك.

في بيروت، يختلف صباح منطقة الداليا في منطقة الروشة عن غيرها من الأحياء.

صبيرة، التي يعترف لها القاصي والداني في المنطقة، بنزعها لقب صيادة بكل جدارة، تعود بمركبها، الذي أطلقت عليه اسم شقيقها «عليّ»، نحو البرّ. سيدات أخريات يلاقين أزاوجهن أو آبائهن وأشقائهن لمساعدتهم في تثبيت الشخاتير والمراكب. سيدة تحمل ما جاد به البحر وتقصد الكورنيش لتنادي على بضائعها. أخرى تتفرغ لتنظيف كمية من السمك التي طلبها أحد المطاعم. وثالثة تعيد خياطة الشباك التي مزقها الموج أو حادث طارئ، بينما تستعد رابعة لمرافقة زوجها في رحلة إلى المناطق المخصصة لنصب الأفخاخ والسلال.

ولدت صبيرة في الداليا كما والدها الذي ورث مهنة الصيد ومنزله هناك عن أجداده.

تقول إنـــــها قصدت مدرسة «مدرســــة البحــر»، وتعلمت فيها كل ما يلزمها لمواجهة الحياة.

لا تتذكر صبيرة المرحلة التي تعلمت فيها السباحة: «ما بعرف يمكن تكون أمي خلفتني بالمي». تتذكر أنها لم تستأذن اسرتها. يومها نزلت الممر الصخري من منزلها في الداليا نحو البحر وسبحت باتجاه صخرة الروشة. هناك «تعربشت» على الصخور مع شلة من فتية الحي من إخوتها وأقاربها والجيران، لتجد نفسها وقد أضحت على ارتفاع 46 متراً. لم تتردد. تركت بيروت وراءها ونظرت نحو البحر، والبحر فقط، وقفزت.

«قفزت على قدمي وليس على رأسي»، توضح صبيرة منعاً للإدعاء: «أخوتي وأولاد عمي وزوجي وابني اليوم قفزوا شكاً على رؤؤسهم»، وليس هي.

لم تكن صبيرة قد تجاوزت الـ14 عاماً من العمر عندما تزوجت صياداً من الداليا نفسها. توقفت عن القفز عن صخرة الروشة بعد زواجها، لكنها لم تخرج من البحر.

بداعي التسلية ومرافقة زوجها، خرجت صبيرة في رحلات الصيد الأولى: «كنت أساعد زوجي». زوجها علمها المهنة وقال لها: «ما حدا بيعرف شو بيصير معه، خليكي تعرفي كل شي».

وفعلاً، لم يكن يعرف والد أبنائها أن الموت سيكون في انتظاره في العام 1995. يومها صدمه «يخت» اقترب من الشاطئ وقتله بينما كان ينصب شباكه تحت الماء.

وجدت صبيرة نفسها مع ثلاثة أولاد كبيرتهم في الثالثة عشرة من العمر. ما إن انتهت فترة العزاء حتى أبلغت الجميع قرارها «سأشتري مركباً وأخرج إلى الصيد».

لم يكن شائعاً خروج النساء كصيادات سمك إلى البحر. ولكن «ماذا ينقصني»، تسأل صبيرة التي اختبرت البحر ومخاطره، مراكب الصيد ومحركاتها، والصيد على أنواعه: من الشباك إلى «الجرجارة» إلى الأقفاص إلى الصنارة «الصياد المتمرس يمسك بالصنارة بيد واحدة»، تقول لصياد هاو كان يراقب فلينة صنارته ممسكاً بها بيديه الاثنتين.

تفخر صبيرة بأنها لم تضطر إلى طلب المساعدة من أي إنسان: «أهلي كانوا وما زالوا بقربي، وخصوصاً شقيقي، ولكنني ربيت أطفالي اليتامى بعرق جبيبني».

خرجت صبيرة إلى الصيد وحرصت على أن ترسل ابنتيها وابنها إلى المدرسة. قالت لابنها الذي كان يصر على مرافقتها إلى البحر «بالصيف فقط تذهب معي وبالعطل وعندما تنجح». تزوجت ابنتيها، فيما تخرج ابنها «صياداً على يديها».

لم يكن عمره قد تجاوز التسع سنوات عندما خرجت به إلى الصيد خلال فصل الصيف. علمته وخاله، شريكها، في المصلحة، كل شيء عن البحر وأسراره عن السمك ومواسمه، عن المراكب، والأهم عن المناطق التي تعتبر «مناطق العائلة». هناك في الداليا يحترم الصيادون مناطق بعضهم البعض، ويعرفون أن لكل منطقة صيد، ناسها. وحده عمق البحر مفتوح للجميع.

مع الصيد، استعملت صبيرة مهاراتها في السباحة لتنقذ عشرات الهواة ممن غدرتهم الأمواج في الداليا. الشاطئ هنا مفتوح ومن دون فرق للإنقاذ من الغرق. تلمع عيناها وهي تروي كيف انتشلت في ثلاثة صبية كانوا بصدد الغرق معاً.

لا تنتهي رحلة صبيرة مع الصيد بالخروج من البحر ولملمة الشباك والأقفاص والأفخاخ. تخرج المرأة الخمسينية برزقها إلى البيع. تبقي بعض ما تحتاج اليه للإستهلاك في مطعم تقيمه على مصطبة بيتها المبني على صخر البحر. تخصص بعضاً من وقتها للخروج برحلات سياحية مع الراغبين بجولة في البحر. تعمل المرأة على أكثر من جبهة لتكفي عائلتها. ولكنها تخوض حربها الكبرى على جبهة عدم خسارة حقها وحق أولادها في أملاكهم في الداليا. «هنا ولد أجدادنا، وهنا نعيش، وهنا رزقنا ولقمة عيشنا، فكيف يريدون شطب كل حياتنا هكذا وبكل بساطة؟»، تقول رداً على المفاوضات والدعاوى القضائية المرفوعة لإخلاء صيادي الداليا وأهلها من منازلهم ومرفأ الصيد خاصتهم.

في اليوم العالمي للمرأة، تتحدث صبيرة وعلوية ومديحة وغيرهن من نساء الصيد عن المعنى الحقيقي للتعب والشقاء، عن خطر الخروج إلى بحر غادر، عن ضنى المواظبة والمثابرة لتحصيل لقمة عيش صعبة المنال، عن الضمانات الصحية والاجتماعية المفقودة، وعن الفارق الكبير بين من يركب البحر كهواية وبين من لا يجد لقمة يقدمها لأطفاله إذا تمنّع عنه.

سعدى علوه  - السفير 

Script executed in 0.19269108772278