أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

مهاجرون يعودون إلى الوطن ويستثمرون: لا نحتاج إلا إلى الأمان

الجمعة 14 آذار , 2014 10:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 4,055 زائر

مهاجرون يعودون إلى الوطن ويستثمرون: لا نحتاج إلا إلى الأمان

عادوا من الهجرة إلى الوطن.

شبان ساروا عكس السير، إذا جاز التعبير. كانت لديهم أعمالهم، ونجاحاتهم، في دول المهجر، لكنهم أرادوا تحدي المصاعب التي يعيشها لبنان من أجل فكرة واحدة، هي حبهم الحياة في بلدهم، ورغبتهم في العيش قرب أصدقائهم وأهلهم.

شربل أبي رزق، واحد من أولئك الشبان، يبلغ من العمر ستة وعشرين عاماً، تخصص في هندسة الكمبيوتر، وحصل على عمل في فرع «شركة موركس» الرئيسي في باريس، وهي شركة تعد برامج الكترونية خاصة بالمصارف والتداول بالعملات.

كان وضعه المهني والمالي في الشركة جيداً، لديه منزله الخاص، ويستطيع السفر كل شهر. بقي في فرنسا سنتين، وعاد إلى لبنان لأنه متمسّك بالعيش مع عائلته وأصدقائه. يعرف طبعاً أنه عاد إلى بلد يفتقد الأمان، وفرص العمل، ودعم الدولة. لكنه، مع ذلك، أسس شركة خاصة به، من دون مساعدة، وهو لا يطلب مساعدة، إنما وقف المتفجرات فحسب، وتوفير الأمن من أجل بقاء الحركة الاقتصادية.

بحث شربل عن مجال للعمل، فاستكشف عقارات بلغاريا، واقترح على صديقه ماهر شرفان، المهاجر إلى أنغولا، العودة إلى لبنان والعمل معاً. يبيعان حالياً لمستثمرين لبنانيين، العقارات والشاليهات عند كل من منتجعي فارنا وبوغارس على شاطئ البحر الأسود، بعدما تبين لهما أن أسعار الأراضي لا تزال رخيصة هناك: يبلغ سعر المتر المربع بين ثلاثة وأربعة يورو، بينما يبلغ الحد الأدنى لسعر متر الأرض المشابه عند شاطئ البحر المتوسط في بيروت، سبعة آلاف دولار.

ويقول شربل إن الحافز لشراء الأراضي في بلغاريا هو انضمامها بالكامل إلى الاتحاد الأوروبي في العام 2016، وتبعاً لذلك هناك توقعات بمضاعفة أسعار العقارات فيها مئات المرات، كما حصل لبلدان أخرى لدى انضمامها إلى الاتحاد. ويعتبر أن أهمية بيع الأراضي في بلغاريا تكمن في قدرة متوسطي الدخل من الاستفادة منها، كي لا تبقى حكراً فقط على الأثرياء.

لا يقتصر عمل شربل على بلغاريا، فقد ساهم مع ماهر شرفان في تأسيس شركة تهتم بتمويل مشاريع عقارية، وتعمل على تقديم قروض للذين يريدون شراء عقارات أو البناء.

 

بين أنغولا وبيروت

 

تخصص ماهر شرفان ستة وعشرين عاماً في هندسة الإلكتروميكانيك، وعمل بعد تخرجه لدى «دار الهندسة» في بيروت مدة ستة أشهر، ثم سافر من خلال عقد مع الشركة إلى انغولا، حيث تولى الإشراف على الهندسة الميكانيكية لمطار كان يجري بناؤه هناك. بقي في أنغولا عاماً ونصف العام، بينما كان صديقه شربل يؤسس شركة عقارية في لبنان. وبعدما تبين لشربل أن عمله واعد، أرسل في طلب صديقه، فقدم ماهر استقالته من «دار الهندسة»، وبات شريكاً لصديقه. بعد فترة قصيرة طرح الصديقان على شخص ثالث فكرة المساهمة في تأسيس شركة لتمويل مشاريع عقارية. يوضح ماهر أن الفكرة ولدت من رغبة عدد من الزبائن بمساهمتنا في تمويل شراء أراض، أو بناء مبانٍ من دون توافر الأموال اللازمة لديهم لذلك.

يتحدث عن إمكانية الدخول في شراكة لبناء معمل أو مصنع في المستقبل. ويؤكد نجاح التجربة بدليل أن دخله في لبنان أعلى من دخله في أنغولا.

السفير 

مشاريع الطاقة الكامنة

 

درس حنا حجار ستة وعشرين عاماً في مجال الطاقة البديلة في باريس، ونال شهادة ماجستير، من خلال منحة حصل عليها من شركة «رينو» الفرنسية. عمل إثر تخرجه مع الشركة لمدة عام في مجال استخدام الطاقة البديلة للسيارات: مثل الكهرباء. لكنه لم يعمل في مجالي استخدام الطاقتين الشمسية والهوائية. بعد ذلك تقدم بطلب للعمل في فرع «شركة بووز» الأميركية في بيروت، وهي شركة استشارية معروفة عالمياً، فقُبل طلبه، وانتقل للعيش في بيروت.

يشرح حنا مجال عمله وهو تقديم الاستشارات للشركات التي تتعرض للخسائر، أو تلك التي تريد التوسع في أعمالها، وتحديداً في مجالات المواد المستخدمة يومياً، كالطعام والملابس ومستحضرات التجميل وغيرها، بينما يشمل نطاق عمله لبنان ودول الخليج ومصر. يسافر كل أسبوع مدة أربعة أيام، وقد أصبحت الطائرة بالنسبة إليه أشبه بالحافلة، ويصل عدد ساعات عمله يومياً إلى ست عشرة ساعة، لكنه سعيد لأن السفر يتيح له اكتساب خبرة كبيرة، من خلال جلوسه مع مديري شركات ومسؤولين وموظفين من أهواء وتجارب مختلفة، قبل وضع الاسترايجيات الخاصة بكل شركة.

ويوضح حنا أن جزءاً من اختصاصه في مجال الطاقة، قبل أن ينقلب عمله إلى إدارة الأعمال. ويقول إنه يحصل في لبنان على راتب أعلى من الراتب في فرنسا، مع دفع نسبة ضرائب أقل، لأن الضريبة على الدخل تصل في فرنسا إلى خمسة وثلاثين في المئة. ويؤكد أنه سيجهد سنتين أو ثلاث سنوات، ثم ينتقل لتأسيس عمله الخاص.

بعد سفره اكتشف كم سبقتنا أوروبا وأميركا، ويعتبر منطقة الشرق الأوسط أرضاً خصبة لمشاريع كثيرة، تبدأ من أفكار صغيرة وصولاً إلى الكبيرة، منها مثلا: تحويل النفايات إلى طاقة، تحلية مياه البحر في ظل الجفاف وتغير المناخ، استخدام الطاقة الشمسية على نطاق واسع، الزراعة العضوية وغيرها من المشاريع.

اختبر الشبان الثلاثة، العمل خارج بلادهم، ثم اختبروا العمل داخلها، وهم لا يزالون في مقتبل العمر. درسوا وخلقوا الفرص بدل تضييعها، وأثبتوا بطريقتهم وجودهم في الحياة. يقول كل منهم إن من يسافر يكتشف كيف يضيع ضيق الأفق والانحياز والتعصب الحياة. ويوضح شربل أنهم كانوا في فرنسا عشرين شاباً تقريباً، يجتمعون نهاية كل أسبوع، يسهرون ويستمعون إلى الأغاني اللبنانية، وقد عاد عدد منهم إلى لبنان، مع أن فرص العمل في فرنسا أفضل، والمستقبل أفضل. يحبون بلدهم ولا يحبون نظامه، وبسبب ذلك الحب «وين ما راحوا لن يكونوا مبسوطين».

في لبنان، يجتمع شربل وأصدقاؤه، يسهرون معاً، وينظمون رحلات خارج بيروت يوم الأحد. ويقول إنهم أصدقاء من مختلف الطوائف والمناطق، لا يريدون أن يتغلغل اليأس والإهمال إليهم، لذلك أخذوا على عاتقهم العمل من دون مساعدة أحد.

ويؤكد ماهر أن العمل في لبنان صعب بسبب الظروف، لكنه قبل التحدي، ويعتبر أن على كل شاب تجربة العمل في بلده، وعندما يفشل، يسعى إلى الهجرة، ويرى أن رغبة الشبان بالهجرة أدت إلى خلق نوع من الفراغ في مجالات عمل كثيرة.

لدى ماهر رأي سياسي بما يحدث في بلده والمنطقة، لكن رأيه لا يؤثر على صداقاته. ويقول إن أهله أسسوا أعمالهم في ظل الحرب الأهلية، وتحت القصف، وهو يعتبر أن الظروف التي يعمل فيها حالياً أفضل من ظروف الحرب الأهلية: كان أهلي يتناولون الطعام نفسه على مدى أسبوع، وأنا اليوم أتناول ما أرغب به من الطعام.


Script executed in 0.17719411849976