انسحبت المفاعيل السياسية للخطة الأمنية في طرابلس على «محاور» مجلس الوزراء التي استعادت في جلسة امس هدوءها، بعد التوتر الذي سادها خلال الجلسة ما قبل الماضية، على خلفية الخلاف حول التعيينات.
وإذا كان أهالي جبل محسن وباب التبانة قد تلاقوا على خطوط التماس المتهاوية، برعاية الجيش اللبناني الذي استكمل فرض سيطرته على طرابلس، فإن إشارات لإمكانية استئناف التواصل السياسي بين «تيار المستقبل» و«حزب الله» انطلقت من داخل الحكومة مخترقة «دشم» الثقة المفقودة، مع تأكيد وزير العدل اشرف ريفي أن هناك اتجاهاً لدى فريقه لإعادة فتح قنوات التواصل بقوة مع «حزب الله» وعدم إبقائها على وتيرتها السابقة، مشيراً إلى «ان التواصل لم ينقطع ولكن يجب تفعيله لمصلحة البلد الذي أنهكه الاحتقان السني ـ الشيعي».
ولاقاه في هذا الموقف وزير الصناعة حسين الحاج حسن الذي شدّد على رغبة «حزب الله» الدائمة «في التفاهم مع الجميع، انطلاقاً من التوافق الذي أدى الى تشكيل الحكومة واقرار بيانها الوزاري».
في ظل هذا المناخ، تم التوافق بسرعة قياسية على عشرة تعيينات في عدد من المراكز الادارية والقضائية والأمنية الشاغرة، على ان يصار لاحقاً الى اقرار كل تعيين ينجز وفق الآلية المعتمدة، وقد طلب من الوزراء تحضير الملفات المتعلقة بهذه التعيينات لملء الشواغر.
وقالت مصادر وزارية لـ«السفير» إن جلسة مجلس الوزراء كانت هادئة جداً، وتكاد تكون نموذجية، واصفة مجرى الامور فيها، كمجرى المياه نزولاً، خلافاً للأجواء المتشنجة التي سادت الجلسة السابقة.
وأشارت المصادر الى ان طبخة التعيينات العشرة نضجت قبيل انعقاد مجلس الوزراء، وجرى تظهيرها خلاله، ما يفسر إقرارها بسهولة ويُسر، باستثناء التحفظ الذي أبداه الوزير وائل ابو فاعور على التجديد لكمال حايك في رئاسة مجلس إدارة مؤسسة الكهرباء.
وشددت المصادر على ان العودة الى احترام أعراف التعيين القائمة على العدالة في التوزيع الطائفي والتوازن والشمولية أتاحت تجاوز الخلاف الذي نشب في المرة الماضية، لافتة الانتباه الى ان رئيس الحكومة كان قد تبلغ من وزراء في «8 آذار» أن ما جرى في الجلسة السابقة لا ينمّ عن اعتراض على اسمي اللواء ابراهيم بصبوص والقاضي سمير حمود بالتحديد، وإنما على التجزئة في التعيينات وعدم شمولها الطوائف الاخرى التي يجب ان تكون لها حصتها، «وهذا لا علاقة له بثقتنا فيك وقناعتنا بأن نيتك طيبة».
واعتبرت المصادر ان الزخم الذي أفرزته الخطة الامنية في طرابلس لامس كما يبدو طاولة مجلس الوزراء وأعطى قوة دفع لنقاشاتها، «إنما هذا لا يعني المبالغة في التوقعات، لأن هناك ثقة مفقودة بين مكونات الحكومة وترميمها يحتاج الى وقت».
وأكدت المصادر أن المحاصصة الطائفية التي قامت عليها التعيينات لم تكن على حساب المعايير العلمية، مشيرة الى ان الاشخاص الذين جرى تعيينهم هم أبناء الإدارة وتدرّجوا فيها، وجميعهم تم اختيارهم للمواقع الجديدة على اساس الآلية التي جرى إقرارها في السابق، باستثناء التعيين في ديوان المحاسبة لأن القضاة لا يخضعون لهذه الآلية.
لجنة للملف النفطي
وفي ما خص الملف النفطي، استمع مجلس الوزراء الى شروح علمية وتقنية من أعضاء هيئة ادارة قطاع البترول الذين تمت دعوتهم الى المشاركة في الجلسة، حيث قدموا عرضاً مستفيضا لمدة ساعة تقريبا حول تقسيم المياه البحرية الخاضعة للولاية القضائية للدولة اللبنانية الى مناطق على شكل رقع (بلوكات)، ودفتر الشروط الخاص بدورات التراخيص في المياه البحرية ونموذج اتفاقية الاستكشاف والانتاج.
وشرح الأعضاء مشروع تقسيم «البلوكات» النفطية الى عشرة، والاعتبارات التي استند اليها التوزيع، والتفاصيل المتعلقة بالمرسومين المطروح إقرارهما.
وطرح بعض الوزراء أسئلة على أعضاء الهيئة تتعلق بعملها في ترسيم «البلوكات»، وجرى تشديد خلال النقاش على وجوب أن تسرع الحكومة في إنجاز الخطوات الآيلة الى المباشرة في تلزيم عملية استخراج النفط والغاز، لاسيما أن هناك دولاً مجاورة باشرت في العمل وقد تنجح في استقطاب شركات عالمية كبرى.
وفيما تشكلت لجنة وزارية لمتابعة البحث في الملف النفطي، بناء على اقتراح رئيس الحكومة تمام سلام، وموافقة مجلس الوزراء، أبلغت المصادر الوزارية «السفير» ان تشكيل اللجنة يعود الى الرغبة في انضاج هذا الموضوع الحساس على نار هادئة والنأي به عن أي اشتباك سياسي منعا لـ«حرقه».
واعتبرت المصادر ان المشكلة الحقيقية ليست في عدد «البلوكات» النفطية التي تم توزيعها أصلاً على اساس معايير موضوعية، وإنما في السؤال الكبير المطروح، وهو: من أين نبدأ التلزيم؟
ولفتت الانتباه الى ان هناك وجهة نظر تدعو الى البدء في التلزيم من الجنوب لقطع الطريق على الأطماع الاسرائيلية وفرض أمر واقع عليها، بينما ترى وجهة نظر أخرى ان المطلوب الانطلاق من المكان الذي يفرضه المعيار الاقتصادي لا السياسي.
التحرك المطلبي
وعشية اجتماع اللجان النيابية المشتركة لمواصلة درس مشروع سلسلة الرتب والرواتب، وبالتزامن مع انعقاد جلسة مجلس النواب، نفذت «هيئة التنسيق النقابية» اعتصاماً في ساحة رياض الصلح، رفضاً للمماطلة في إقرار السلسلة.
كما نفذت الهيئة إضراباً تحذيرياً شاركت فيه المدارس الرسمية ومعظم المدارس الخاصة والمعاهد المهنية والتقنية، إضافة الى ادارات عامة.
ونبهت الهيئة بعد اجتماعها أمس الى انها ستلجأ الى تنفيذ أشكال التصعيد المشروعة كافة من اضرابات واعتصامات وتظاهرات، وصولاً الى الاضراب العام المفتوح ومقاطعة أعمال الامتحانات الرسمية إذا لم تُقر السلسلة (ص 4).
تفكيك «سلسلة» طرابلس
في هذا الوقت، استمر تفكيك «سلسلة» المحاور والمجموعات المسلحة في طرابلس، مع مواصلة الجيش وقوى الامن الداخلي تنفيذ الخطة الامنية لليوم الثاني على التوالي، حيث انتشرت الوحدات العسكرية في عمق أحياء باب التبانة، في وقت توارى كل مسؤولي المجموعات المسلحة عن الأنظار.
وانطلقت فجر أمس الآليات وناقلات الجند والجرافات بتغطية من المروحيات الى التبانة من جهة الملولة، يتقدمها قائد اللواء 12 العميد سعيد الرز، وأزالت الجرافات الدشم والمتاريس في محاور البزار، بعل الدراويش، ستاركو، طلعة الشيخ عمران، سوق الخضار، طلعة العمري، محيط مسجد حربا، ساحة الأسمر، حي الزعبي، وكل الشوارع الفرعية.
وأطلق العشرات من شبان التبانة مبادرة انفتاحية، تمثلت بمسيرة مصالحة ومحبة انطلقت من شارع سوريا في اتجاه جبل محسن، لتأكيد الحرص على التعايش وحسن الجوار. وقد تلاقت المسيرة مع أبناء جبل محسن عند طلعة العمري برعاية الجيش اللبناني وبمشاركة رئيس فرع مخابرات الشمال العميد عامر الحسن، وقائد اللواء 12 العميد الرز (ص 3).