أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

ترشّح سمير، والتاريخ لن يرحم!!

السبت 05 نيسان , 2014 09:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,854 زائر

ترشّح سمير، والتاريخ لن يرحم!!

المحامي فادي سعد

أَن تكون محكوماً من أشخاصٍ إرتكبوا جرائم ضدّ إنسانيّتك وكرامتك وأرضك ووطنك ونالوا لقب أمراء حرب مُعفى عنهم، وليس فقط مُعفى عنهم بل كوفئوا بخطف الدولة والسلطة وفبركوا القوانين الإنتخابيّة كي يستمرّوا بخطف السلطة إلى ما لا نهاية وتقبل، فهذه قمّة الإهانة للذكاء والمشاعر الإنسانيّة…

وأَن يتجرّأ ويترشّح لرئاسة الجمهوريّة اللبنانيّة مَن تلوّثَت أياديهم بدم الإنسان اللبناني وأرضعوه العذاب والقهر والذكريات الأليمة لهو أمرٌ يصيبك بالقنوط والقرف والإحباط، ليس لأنّهم سيصبحون رؤساء أو وزراء أو نوّاب، بل مجرّد الفكرة تصيبك بالهول والغثيان…

وأن يتجرّأ مَن هم مؤتمنون على سلطة التشريع والتنفيذ والأحزاب والجمعيّأت الأهليّة على تمرير هكذا ترشيحات مرور الكرام من دون أخذ الموقف الرادع لهو إهانة للإنسان في لبنان ولقيمته، فهم أيضاً كانوا أمراء حرب والشعب سكت عنهم وكافأهم مرّة تلو الأخرى وما يزال…

في وطن الأرز أصبح العفو العام من ركائز الحكم والقبض على السلطة ، فالعفو العام هو «تجريد الفعل من الصفة الجرمية بحيث يصير له حكم الأفعال التي لم يجرِّمها المشترع أصلاً». وعلّته الخبيثة «هي التهدئة الاجتماعية بإسدال النسيان على جرائم ارتكبت في ظروف سيئة اجتماعياً، فيريد المشترع بنسيانها أن تحذف من الذاكرة الاجتماعية الظروف السابقة كي يتهيأ المجتمع أو يمضي في مرحلة جديدة في حياته لا تشوبها ذكريات تلك الظروف. لذلك يصدر العفو العام عقب فترات من الاضطراب السياسي ويكون موضوعه ذا صلة بهذا الاضطراب” بينما حقيقته المخيفة تكمن بالسماح للمجرمين الذين صُبغَت جرائمهم بتسمية كاذبة بالجرائم السياسيّة لإعفائهم من أيّ تبعة جرميّة بهدف تسهيل إحتكارهم للسلطة ونزع ذكراهم السيّئة من ذاكرة الشعب.

أما بالنسبة لخصائصه، فهو يتميّز بطابع موضوعي، فهو ينصب على مجموعة من الجرائم فيزيل ركنها القانوني ومن ثم يستفيد منه جميع المساهمين فيها. ويتميز باتصّاله بالنظام العام، إذ يقوم على اعتبارات من مصلحة المجتمع، ومن ثم لا يجوز للمحكوم عليه رفضه. ويتميز بعد ذلك بطابعه الجزائي فآثاره تقتصر على الصفة الجرمية للفعل (إلا إذا نص قانون العفو العام على غير ذلك). ويتميّز بأثر رجعي يعود إلى وقت ارتكاب الفعل ويعترف أنه لم تكن له منذ ارتكابه صفة جرمية، والأمثال كثيرة في لبنان فلقد تكررت قوانين العفو العام، مراراً، منذ أول انفجار أهلي، بعد الاستقلال، هو ذلك الذي حدث في ربيع عام 1958 وصيفه، واستمرت ارتداداته الأساسية حتى أواسط تشرين الأول من ذلك العام. هكذا صدر آنذاك، وبالتحديد في 24 كانون الأول 1958، قانون يمنح العفو العام عن الجرائم المرتكبة حتى 15 تشرين الأول من العام المشار إليه. وقد أعقب ذلك القانون، بعد سنوات قليلة، قانون 17 شباط 1969 الذي يمنح عفواً عاماً عن الجرائم المرتكبة قبل 1/1/1968، ومن ضمنها الجرائم التي حصلت على إثر حرب حزيران 1967. على أن القانون الأهم، في هذا المجال، هو ذلك الذي أعقب أطول حرب أهلية في بلدنا حتى اليوم، أي تلك التي بدأت في 13 نيسان 1975 وبقيت حتى خريف العام 1990. إنه القانون رقم 84/91، الصادر في 26 آب 1991، والرامي إلى منح العفو عن الجرائم المرتكبة على امتداد تلك الحرب وحتى تاريخ 28 آذار 1991. وقد جاءت المادة التاسعة منه لتفتح الباب أمام المزيد من إمكانات العفو لصالح أفراد محددين عن جرائم ارتكبت خلال ذلك الصراع الأهلي المديد، حيث تقول: “تعطى الحكومة سلطة استثنائية لمدة سنة ابتداءً من تاريخ العمل بهذا القانون لإصدار عفو خاص له مفاعيل العفو العام بموجب مرسوم يتخذ في مجلس الوزراء عن كل شخص محكوم أو ملاحق بالجرائم المستثناة من هذا العفو، الواقعة على أمن الدولة الداخلي أو الخارجي والمرتكبة قبل 28 آذار 1991.”

 

وكيف لنا أن ننسى القانونين الأخيرين رقم 677 ثم رقم 678، الصادرين في 19/7/2005، واللذين منحا، على التوالي، بمادة وحيدة، عفواً عاماً عن كل من سمير جعجع، من جهة، والمجموعتين السلفيتين الضالعتين في أحداث الضنية ومجدل عنجر، من جهة أخرى، كتعبير عن موازين القوى المستجدة، في ذلك العام ولكن كتعبيرٍ أيضاً عن الحرص على الموازنة النسبية، والمقرفة، بين الطوائف، في إسداء «منحة» العفو هذه؛ وعن الدور الغالب للمراجع الدينية، في أعلى المواقع، بطاركة ومفتين وما إلى ذلك، وفي الوقت عينه للقوى السياسية والمالية المتنفذة، في النظام اللبناني ،كما الحال مع سعد الحريري في فرض قرارات من هذا النوع كان لها ارتدادات عكسية سلبيّة مخيفة، ما زلنا ندفع ثمنها لغاية اليوم وستدفع الأجيال اللاحقة أثماناً باهظة.

لقد تميزت حرب الـ 15 عاماً الأخيرة بمستوى قل نظيره من البشاعة ومجازر الإبادة والأعمال الإجرامية الأخرى، بحق الإنسان والطبيعة والحياة بشتى أشكالها. وجاء قانون العفو العام ليمحو كل ذلك ويعيد الاعتبار لشتى رموزها، لا بل ليتيح انتقال قادتها من الخنادق والحواجز إلى أعلى مواقع الدولة الراهنة، وذلك من فوق مئات المقابر الجماعية، وأكثر من 150 ألف قتيل ومئات الألوف من الجرحى والمعوَّقين، فضلاً عن فضائح كبرى مشهودة من ضمنها توزيع مئات الأطنان من النفايات السامة على شتى أنحاء الأرض اللبنانية، ومن البحر إلى أعالي الجبال؛ عدا الاعتداء والسطو على الأملاك والأموال العامة، وشيوع فساد سلطوي قل نظيره في العالم بأسره. علماً بأنه بعد مرور أكثر من 23 سنة على توقف تلك الحرب، وقيام الجمهورية الثانية على أساس اتفاق الطائف المشهور، لا زالت آلاف العائلات تسأل عن أبناء وإخوة وأمهات وآباء اختفوا، فلا تعرف شيئاً عن مصيرهم، وإذا كانوا قد قضوا ففي أي تربة دُفنت رفاتهم، ومن المسؤول عن ذلك؟

وبالطبع، إذا كان العفو العام يعني النسيان والغفران، فمن يمكن أن ينسى، ومن يحق له أن يغفر؟ وأي سلم أهلي يمكن أن يقوم على نسيان وغفران لا يقترنان بالحد الأدنى، على الأقل، من كشف الحقيقة، وضمان العدالة؟ فقانون العفو الأخير هو قانون إشكالي لأسباب عدة، ولا سيما أنه كفل إفلات منتهكي حقوق الإنسان من العقاب ، من جهة، ومنع ظهور الحقيقة، من جهة أخرى، لا بل أكثر من ذلك ساهم إلى تباهي شخص مثل سمير جعجع بتاريخه فيترشّح على هذا الأساس إلى رئاسة الجمهوريّة متناسياً عن قصد وسوء نيّة أنّ قانون العفو لم يبرّئه من الجرائم المحكوم بها بل سمح له فقط الإفلات من العقوبة، حتّى وصلت معه الأمور إلى حدٍّ لم يعد الإنسان اللبناني يستطيع تحملّ نتائج هكذا إستهتار بذكائه ومشاعره…

أن لبنان لن يعرف سلاماً حقيقياً ودائماً وأن حقوق الإنسان لن تحظى بالحماية إلا إذا واجه الوطن ماضيه بإجراآت تتيح التحقيق في فترة الحرب وإظهار الحقيقة بخصوص الإساءات إلى حقوق الإنسان المرتكبة

وخطورة المأزق تترافق الآن مع ارتفاع منسوب العصبية المذهبية والطائفية إلى ذروة غير مسبوقة.

إنّ العفو العام أصبح كمؤسسة تضمن بقاء النار تحت الرماد، بعيداً عن أي مسعى للمحاسبة وتحديد المسؤوليات، وهذه الصورة المثيرة للمخاوف مرشحةٌ للتكرار، بلا انقطاع، طالما يعاد بناء الوطن والدولة، مرة بعد أخرى، بالمواد القديمة نفسها، التي كرَّسها اتفاق الطائف، على الرغم من كوة ضيقة نسبياً فتحها على مجتمع ودولة علمانيين.

تلك الكوة الصغيرة المفتوحة أمامنا منذ سنوات، سيكون دورنا جميعاً، ودور كل المتضررين من الواقع الراهن، الممزَّق طائفياً ومذهبياً أن نعمل ليل نهار على توسيعها. فبقدر ما نستطيع جميعاً أن ننقل لبنان من وضعه الراهن باتجاه تجاوز البنى الطائفية بالكامل،إلى مجتمع ودولة علمانيين، بقدر ما يمكن عندئذ أن يقوم مجتمع آخر، بالغ الشفافية، وقائم على المحاسبة الدائمة، حيث لا يعود في وسع أحد من المرتكبين من أسفل الهرم الاجتماعي حتى أعلاه، أن يفلت من العقاب ويتجرّأ على الترشّح إلى أعلى منصب في الدولة اللبنانيّة من دون الإلتفات إلى تاريخه المليء بالصور الرهيبة، ونسأل والإحساس بالإهانة يملأ أذهاننا، هل يحقّ لأيّ كان أخلاقيّاً قبل القانوني أن يستهتر بعقولنا ويقدم على خطوة تعيدنا مئات السنين إلى الوراء؟ لا يا أيّها الأمراء الذين نصّبتم أنفسكم علينا إحتيالاً عبر قوانين العفو، لن نسمح لكم بإهانتنا وقتلنا مرّات ومرّات، والتاريخ لن يرحم…

 

بانوراما الشرق الاوسط 

Script executed in 0.21599292755127