أدّى تيار المستقبل ومعه 14 آذار واجبهم للعلى. قاموا بكلّ ما في وسعهم أن يقوموا به، واضعين في جيب سمير جعجع 48 صوتاً. رئيس القوّات اللبنانية حصل، تقريباً، على ما سعى إليه. هو كان يريد سنداً أخضر بحيثية عابرة للطوائف تضع حداً لكلّ من يستلّ الكتاب الأسود لتذكيره بماضيه. في المقابل كان الآذاريون وتحديداً المستقبل يريدون أن يقولوا لجعجع شكراً حكيم.
لا يتنكّر المستقبليّون لوقوف الرجل إلى جانبهم، ولا ينفون أيضاً إعطاءه الكثير. على دفتر الحسابات السياسية سجّلوا أنهم خاضوا التحدّي ليتحوّل جعجع، خلال أعوام قليلة، من قاتل للسنّة إلى خطيبٍ في الاحتفالات الدوريّة. فمحو صور الذاكرة الجماعية ليس سهلاً.. ومع ذلك فعلها التيّار.
كذلك، يتكئ القياديون الزرق على الدفتر نفسه للتأكيد أن الحكيم قفز فوق الكثير من المطبّات السياسية حفاظاً على رباط التحالف ولأن الأمر لا يعدو إلا سلف ودين, قام الحلفاء بتعبئة جيب جعجع بأصواتهم. وعند هذا الحدّ، ينوي ثوار الأرز إسدال الستارة معلنين انتهاء ضخّ الدعم ل الحكيم .
أولى الإشارات كانت إعلان الكتائب ترشيح الرئيس أمين الجميّل. وثانيها، إكمال روبير غانم جولته الرئاسية التي بدأها بالعماد ميشال عون، وحطّ رحاله بالأمس في أحضان النائب سليمان فرنجيّة. مشقة الطريق إلى بنشعي تحمّلها نائب البقاع الغربي
لجس نبض الخصوم، وليقول: أنا مرشّح وفاقي وليس توافقي، ومستمر في هذا الترشّح.
أما تيار المستقبل فما زال معتصماً بحبل الصمت حتى الساعة، ما يزال جعجع مرشحهم فوق الطاولة، في حين تجري الاتصالات على قدمٍ وساق من تحت الطاولة. وبالرغم من ذلك، أفصح المستقبليون، أمس، عما يجول في خاطرهم بشأن الاستحقاق الرئاسي.
من عقر دار بطرس حرب، صاغ نائب رئيس تيار المستقبل أنطوان اندراوس تصوّره، مشيراً إلى أنني تمنيتُ على حرب أن تعيد قوى 14 آذار النظر باستراتيجيتها، خصوصاً أن رئيس المجلس نبيه بري يبدو أنه يسرّع في العملية، معرباً عن اعتقاده بضرورة إيجاد استراتيجية جديدة كي لا نبقى في طريق مسدود ونصل إلى الفراغ.
اندراوس ومعه بعض المستقبليين يؤكدون أن لا تصوّر حتى الساعة، فالأمر يحتاج إلى استراتيجيّة جديدة ترسمها 14 آذار موحّدة وتتيح لنا عدم الدخول في الفراغ مشيرين إلى أن 8 آذار تريد تطيير النصاب في الجلسات التالية، تماماً كما فعل نوابها بإفراغ الجلسة من النوّاب خلال الجلسة الأولى لانتخاب الرئيس. يضيف اندراوس: مرشحنا كان وسيبقى جعجع، ولكن علينا أن نقنع الفريق الآخر به حتى لا نصل إلى الفراغ، مرجّحاً ألا تنعقد جلسة الأربعاء المقبل.
في المقابل، فإن هناك من ضاق ذرعاً داخل تيار المستقبل بمسرحيّة ترشيح رئيس القوّات، معتبرين أن ما قدّموه خلال جلسة الانتخاب يفوق المطلوب. وبالتالي يجب الآن الانتقال إلى الخطة ب.
يتكئ القياديون في التيار الأرزقى على مقولة: إذا أردتَ أن تُطاع فاطلب المستطاع، ليطيحوا بكلّ الترشيحات المحتملة من قبل مسيحيي 14 آذار أو حتى ترشيح عون. يسألون: هل ستكون الأصوات التي يمكن أن ينالها أمين الجميّل أكثر من تلك التي نالها جعجع؟ وهل ستثمر الجولات والصولات التي يقوم بها غانم على قيادات 8 آذار، أوراقاً يُكتب عليها اسمه؟ وهل يمكن لأي من مرشحي 14 آذار أن يقنع وليد جنبلاط بوضع هنري حلو جانباً ليخوض معركته؟
الإبقاء على مرشحي ثورة الأرز سيصيب حتماً 14 آذار في مقتل، إذ إنها لن تراهن على فرط عقدها إذا ما قررت تسمية واحد من الطامحين للرئاسة، كما أنها لن تضع كل بيضها في سلّة ستخرج من ساحة النجمة بـ50 صوتاً مقابل أوراق بيضاء، أو حتى اسم آخر. فبيع جعجع موقفاً في الدورة الأولى لا يعني شيئاً، ولكن الخسارة في الدورة الثانية تعني خسارة المعركة.
في المحصلة، يؤكد البراغماتيون في المستقبل بالفم الملآن: ليقول الجميّل أو أي مرشّح آخر إنه أمّن أصوات الفريق الآخر، ونحن مستعدون للسير به.. ولكننا لن نمشي بأنصاف مرشّحين، بل نريد مرشحين واقعيين يمكنهم الوصول إلى القصر الجمهوري، وفي الوقت عينه، لا نحبّذ كلمة مرشّح توافقي.
الحلّ بالنسبة إليهم، هو أن تكون كرة الاستحقاق في ملعب الكنيسة المارونية، حتى يتفّق المسيحيون على اسم واحد مقبول من البطريرك الماروني بشارة الراعي. ما يعني أنهم يريدون أن يجلس جعجع وعون وفرنجيّة وحرب وغانم.. على طاولة واحدة ويقولون بصوت واحدٍ لأحد الموجودين: تفضّل كرسي الرئاسة لكَ!
هم متأكدون أن جميعهم عينهم على بعبدا، ما يشير إلى حتميّة عدم التوصّل إلى اسم واحد.
بعض المتشائمين من قياديي المستقبل يعتبرون أن الحلّ بالتسوية الشاملة، غير أنهم لا يأملون بحصولها. هؤلاء يرون أن ما قبل 25 أيّار ليس كما بعده، إذ إن القرار في اسم المرشّح يمكن أن يبقى لبنانياً إلى حدّ ما، ولكن ما إن تصير الساعة الثانية عشرة من مساء 25 من أيّار فمنه العوض وعليه العوض. حينها، سيكون القرار مفتوحاً على الصراعات الإقليمية ومدوزن على طبليّة التموضعات الكبيرة، وما يرافق ذلك من صعوبات.