الفرح الذي ارتسم على وجوهم لم يكن عبثاً: أن يجتمعوا في مكان عام، في شارع لا في مسيرة، كلهم، بلا قبضات تقدّس الزعيم والمذهب، وحدهم، مع أطفالهم وشملهم، كلهم، من الطريق الجديدة والضاحية، وحدهم، مع أحزانهم وخلافاتهم، ليس فرحاً عادياً، وليس فرحاً عبثياً.
تتنقل أنغام العازف في شارع الحمرا بهدوء، كما لو أنها غيمة تقطر موسيقى من السماء، نغمة تلو نغمة، فوق الحشود التي كانت أشبه بتظاهرة فرح، أمس، في مهرجان انطلق صباحاً واستمر حتى منتصف الليل، حمل عنواناً غريباً استمده من اسم الجمعية المنظمة: «أحلى فوضى».
في الشارع الذي اعتاد الكآبة أيام الآحاد، توزعت خيمٌ وزعت مأكولات لبنانية وأزهارا وتحفا وألبسة، بأسعار تنسجم مع قدرات جيوب الفقراء، وأيقظت الشارع الحزين في يوم عطلة، فيما انتزع الشارع الطويل الفرح من زبائن وباعة، بفوضى بديعة جمعتهم من كل الطوائف والأعمار والطبقات الاجتماعية.
الفتاة السمراء، الإثيوبية، تنضم بخجل إلى الحلقة نصف الدائرية، وإلى جانبها رجلٌ خمسيني يضع إحدى يديه على فمه مذهولاً، يشاهد طفلة ترقص بمرح، تجذب رقصتها فضول المارة. مهرّجٌ عملاق يرتدي زياً أخضر اللون يخبئ في داخله شخصاً مجهولاً، يحرك ذراعيه ويقفز مزهواً.
تبتعد السمراء من الحلقة الدائرية بخجل وقلق. تقترب من المهرج وتقف أمامه، تراقبه، تراقب فرحه. تبتسم. تنظر يميناً وشمالاً. لا أحد يعرفها هنا. تشعر بالطمأنينة. ترفع إحدى ذراعيها انسجاماً مع حركات المهرّج، ثم الذراع الثانية، تهز رأسها وترقص بمرح، بفرح عاملة منزلية تبحث عن سعادة مفقودة، بخجل وقلق.
إلى حديقة الصنائع
تحجب إحدى الغيوم وهج الشمس، وتمر نسمة هواء منعشة، بينما كانت سيدة محجبة تومئ بإحدى يديها لأطفالها وهي تقول بنبرة اكتشاف: «عشب أخضر. نجلس هنا». تمشي الأم بخطوات سريعة، ممسكة أطفالها بيديها. ينتظرون أمام البوابة المزدحمة بزائري الحديقة.
الفرح العابر في بيروت لم يكن، أمس، في شارع الحمرا حصراً: الباحثون عن فسحة تسلية مجانية، وغيرهم من فقراء اعتادوا العيش في أزقة خانقة، توجهوا إلى حديقة الصنائع، التي بدت لا تشبه ثوبها الأخضر السابق، الباهت الذابل، مقارنة بثوبها الجديد الجميل، أمس.
«أنظر»، يقول شابٌ عشريني لصديقه: سيارة فخمة، يترجل منها أفراد عائلة يصطحبون معهم دراجات هوائية. «تراهن أنهم سيدخلون الحديقة؟»، يسأله فيهز الشاب كتفيه كأنه ليس مهتماً. «يبدو أنهم أغنياء، وبالتالي فإن هذه الحديقة ليست للفقراء أمثالنا فقط، كما قلت لي». يدخل أفراد العائلة الحديقة بوجوه متذمرة.
في الحديقة التي افتُتحت بحلتها الجديدة أمس، ثمة حشود ملأت زواياها ومقاعدها. الأطفال يركضون ويلعبون، الآباء والأمهات يفترشون المساحات الخضراء. عائلات تنتظر خلو مقعد أمام نافورة المياه، وشبان يجلسون قبالة منصة تحتشد بآلات موسيقية. ضجيج. أصوات طبل بعيد، وأنغام قريبة لرقصة الدبكة اللبنانية. طفل ضائع يبكي، وأطفال يضحكون، يمرحون.
«ماذا يفعل السوريون هنا؟»، تسأل سيدة أربعينية ترتدي ثياباً رياضية، شاباً يرتدي زياً أمنياً ويحمل جهازاً لاسلكياً. يستغرب الشاب سؤالها. يزم شفتيه. تكرر السيدة سؤالها بنبرة تأنيب، فيجيبها: «مدام، هؤلاء بشر مثلنا. يمكنكِ أن تسأليهم ماذا يفعلون». ترفع السيدة حاجبيها بذهول، تتماسك محاولة التغلب على ردة فعل الشاب، وتسأله بلؤم: «طيب، أنظر إلى هؤلاء كيف يدوسون على العشب! مسموح؟»، فيجيبها: «نعم، مسموح. للتصوير فقط».
السوريون النازحون، الفقراء المبعدون، بدت ملامح وجوههم أكثر سعادة وحماسة من غيرهم في الحديقة، يسيرون مع أطفالهم بثياب رثة، يبحثون عن أشجار يستظلون بها، وعشب أخضر يفترشونه، وسعادة يأخذونها مجاناً، لأطفالهم، بوجوه باسمة اعتادت اليأس طويلاً. ومثلهم، بدت بيروت التي لم تفرح منذ زمن، مزهوة بزوارها وأبنائها كانت أمس، تغمرهم في يوم عطلة اعتاد الكآبة، تمنحهم فرحاً مؤقتاً، يسبق ضجيج الأمن والسياسة والأحزاب ونزقها..