تجتاحنا في السادس من حزيران من كلّ عامٍ مشاهد الاجتياح الإسرائيلي للبنان سنة 1982.. هذا الحدث الذي قد يظهر متعلقاً بعدوانٍ متغطرسٍ ضدّ سيادة دولةٍ ما، إلا أنّ ما تمّ توثيقه، يؤكد أنّ الأمور كانت أبعد من ذلك، وأنّ "إسرائيل" لم تكن لتجد الطريق سالكةً للهجوم، إلا بسبب انقسام الصفّ العربي، خاصةً داخل لبنان التي كانت مسرح معارك بين عدة أطرافٍ استنجد البعض منها بالكيان الإسرائيلي لتحقيق النصر على مناوئيه، فكان دخولها خدعةً محليةً ودولية.
التوجهات التوسعية للكيان الصهيوني المحتل والأطماع التاريخية فيه أكدها هذا الكيان في مراحل سعيه لاقامة الدولة العنصرية، ونخطئ إذا قلنا إنّ الاعتداءات الإسرائيلية على أرضنا نشأت بفعل المقاومة والعكس صحيح، فمنذ مؤتمر "بال" في سويسرا في العام 1897 الى كل المؤتمرات والاجتماعات، كان دعاتها الأوائل يجهرون بهذه الأطماع ويرسمون حدود دولتهم التي يحلمون بها.
الاكيد إذاً أنّ اجتياح 82 لم يكن الأول، والقصة تعود إلى سنوات النكبة الأولى عندما اعترفت الأمم المتحدة بدولة "إسرائيل" وما تلاها من حروبٍ بين دولٍ عربية والكيان الغاصب بين عامي 1948 و1967.
مرّت الاجتياحات الإسرائيلية للأراضي اللبنانية بمراحل عديدةٍ، بدأت قبيل العام 1975 بمعارك أغلبها اتخذ طابع الضربات الجوية لمناطق العرقوب وبعض القرى اللبنانية الجنوبية القريبة من الحدود الإسرائيلية، ثم انتقلت "إسرائيل" إلى المرحلة الثانية حينما تهيأت لها ظروف الاختراق الداخلي فور اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في ربيع العام 1975، وكانت خطوة العدو المتقدمة في 16 آذار 1978 بتوسيع عملياته العسكرية على الأراضي اللبنانية، واجتاحت جحافله الجنوب ومدّت وجودها الجغرافي حتى حدود نهر الليطاني شمالاً.
لم تكن نهاية اجتياح 1978 نهايةً للاعتداءات الإسرائيلية على القرى الجنوبية، فكان الاجتياح الكبير للبنان عام 1982، وكان من ضمن الأهداف المعلنة لهذا الاجتياح تدمير البنية العسكرية الفلسطينية تدميراً تاماً وإقامة نظام حكمٍ يعقد مع "إسرائيل" معاهدة سلام.
قاومت بيروت وكبّدت الجيش الصهيوني في تلك الحرب آلاف القتلى والجرحى، عددٌ كبيرٌ من ضباط هذا الجيش قد سقطوا في المعارك الهامة التي شهدتها قلعة الشقيف، ومدن صيدا وصور، ومخيمات الرشيدية والبرج الشمالي والبص وعين الحلوة التي أسماها العدو "بالجوزة التي يصعب كسرها"، وصولاً إلى معارك خلدة الخالدة التي أوقفت تقدم جحافل العدو إلى بيروت، لعدة أيام، وحالت دون حصارالعاصمة لولا نجاح العدو بالتسلل من قلب الانقسام الداخلي ليصل إلى خطوط التماس التي كانت تفصل شطري العاصمة.
في 9/6/1982 وصل جيش العدو إلى مشارف بيروت، لكن دخول جحافل العدو الى المنطقة الغربية لم يؤدّ الى اخضاع أبنائها والنيل من صمودهم، فدافعوا عنها بشراسة، وتمكنوا لأسابيع طويلةٍ من صدّ الهجمات على عدة محاور، ولم تمض أيام حتى أخلت القوات الإسرائيلية كلّ المواقع التي كانت تحتلها في بيروت الغربية ومن دون سابق إنذار، فكان أول وأسرع اندحارٍ صهيوني غير مشروطٍ من أرضٍ عربيةٍ محتلة.
نعم دفعت بيروت ثمناً تدفعه كلّ مدينة تحمل السلاح بوجه العدو وتقاوم، لكنها انتصرت أخيراً، ومنها انطلقت جبهة المقاومة الوطنية، والمقاومة الاسلامية "حزب الله" التي تأسست في أجواء تلك المعارك أيضاً.
أخذت شعلة المقاومة تشتعل عاماً بعد عام، فخلقت عمليات المقاومة الإسلامية في الجنوب اللبناني وإمكانياتها المتزايدة حالةً من الارتباك في مفاهيم الأمن ونظرياته لدى "إسرائيل"، التي بدأت تفكر جدياً في الثمن الذي تدفعه ومشاريع الانسحاب بأقل الخسائر الممكنة، واستمرت المقاومة بالتصعيد وقوات العدو بالتراجع وإخلاء مناطق بعد مناطق، وكان لذلك ضريبةً متزايدةً على "إسرائيل" أخذت بالتراكم حتى جاءت أحداث الـ23 أيار عام 2000، وبدأت بعدها آليات العدو بالانسحاب من الاراضي المحتلة دون سابق إنذار، لتقفل بوابة فاطمة وراءها متمنيةً ألا ترجع الى الجنوب يوماً، وكان انتصار العام 2000 مدوياً في العالم، هذا الانتصار الذي أذهل المجتمع الدولي، والذي أكّد بأنّ الشعب متى أراد أن ينتصر.. انتصر.
منذ العام 1948 والعدو الإسرائيلي يحقق انتصاراته، وفي 25 أيار 2000 انعكس الاتجاه: بتنا ننتصر، و"اسرائيل" تتراجع مهزومةً، ذليلةً ومذعورة. وبفضل تطور عمل المقاومة عاماً بعد آخر، لم تقف قدرتها عند حدود إخراج الجيش الصهوني من أول عاصمةٍ عربيةٍ محتلة، ولن تقف عند انسحاب عام 2000 من الجنوب، بل تتخطى ذلك لتصل الى حد القضاء على مشروع "اسرائيل" التوسعي.