مدير المقهى كان متجهماً، سريعاً، تلقائياً، يلوّح بيديه لنادل هنا، ويعتذر بإيماءة متسرعة من رأسه لزبون هناك، يركض بين الطاولات، يتوقف، يمشي، يتكلم مستعجلاً رافضاً النقاش والمساومة: «أعتذر. لقد أقفلنا الحجوزات منذ أسبوعين».
في الشوارع صخب يرافق المباراة. أبواق سيارات تحتفل قبل سماع الصافرة الأخيرة. أعلام البرازيل وإيطاليا والأرجنتين وألمانيا وغيرها ترفرف من نوافذ السيارات، وفي المقاهي تتدلى، ثابتة، تجاورها شاشات عملاقة وصغيرة، تقابلها طاولات جمهور متحمّس.
الجمهور مهووس بالمراهنة. ربما يعرف وربما لا كيف وُلدت هذه اللعبة وتطورت منذ خمسة آلاف عام، حين كان المرمى في الوسط واللاعبون يسعون أن لا تلمس الكرة الأرض، ثم مُنعوا من لمسها باليد وركل اللاعبين، إلى أن ابتكروا قبل مئتي عام فكرة تقضي بوجود حارس مرمى، تبعها بعام واحد إنسانٌ يحمل صفارة ويلوح بيديه، أطلقوا عليه لقب «الحَكَم».
اللعبة التي اعتبرها الملك البريطاني إدوارد الثاني، في وثيقة ملكية مهرها بخاتمه، أنها «تستقطب الرعاع، وهذه الاشتباكات حول كرات كبيرة الحجم ممنوعة»، لديها جمهورٌ مهووس، ربما يعرف وربما لا، أن الأقدام الغابرة كانت تركل الطابة إلى دولاب طاحونة، وأن ركلة الجزاء اعتُمدت بعد حملة صحافية في بريطانيا، لأن البقعة الصغيرة أمام المرمى كانت تشهد مجازر دامية.
هوسٌ يهتمّ بالحاضر. جمهور يتفق على ملاحقة كرة تقفز في ملعب كبير، بوداعة، تنتقل من قدم إلى رأس، ثم تستقر في مرمى فيتبدى الرهان: المراهن على هذا الفريق يفرح، يرقص، والمراهن على ذاك يغضب، يشتم حارس المرمى، المدافع، وأحياناً يقرر شتم شقيقة الحكم وسلالتها.
في المقهى جمهورٌ لبناني، يحاكي نماذج لبنانيين يشاهدون المونديال أينما كانوا. الحماسة هنا تشبه حماسة شاب أو فتاة، رجلٌ وزوجته، في منزل مزدان بأعلام متباينة أو موحدة. جمهور كأنه عائلة، كأنه شعبٌ يستعير الفرح من الآخرين: لبنان ليس مشاركاً في المونديال، لكن سحر هذه اللعبة لا يقيّد مدمنيها بقواعد تشجيع، بل يقودهم إلى الرهان.
الرهان بالمجان: مجموعة تشجع البرازيل أو ألمانيا أو غيرهما، تراهن بساعة ونصف الساعة على ربح فرح مؤقت، على الفوز بانتصار مستعار، يبدأ وينتهي بنون الجماعة، إذ تغدو عبارة «نحن ربحنا» ملازمة لأفراد المجموعة دوماً. «أنتم هُزمتم اليوم»، تلازمهم أيضاً، مع ملامح الحزن والغضب، كما لو أنهم فعلاً كانوا يلعبون وهُزموا.
وثمّة، في المقهى وخارجه، رهانٌ مدفوع: الشاب الذي كان يعتمر قبعة برازيلية ليل أمس، جالساً بقلق بين فتيات بدت ملامح الفرح على وجوههن، لم يكن مهتماً بأن يفوز منتخب البرازيل، كيفما اتفق. عبر شركات المراهنة المعنية على الانترنت، راهن الشاب، بقيمة أربعمئة دولار، على فوز البرازيل بنتيجة أربعة أهداف مقابل صفر. وبذلك، إذا ربح فريق البرازيل وفق أي نتيجة مغايرة، يخسر الشاب أربعمئة دولار.
رهانه واضح. لكن في المراهنة المجانية تظهر أسباب غريبة، تقود، على سبيل المثال، رجلاً خمسينياً إلى تشجيع ألمانيا: «أنا معهم لأن هتلر ضد اليهود»، يقول بينما تقول فتاة سمراء إنها تشجع البرازيل «لأنهم أقوياء». في تشجيعهما رهانٌ مستتر، وأسباب مُعلنة تقابلها لائحة طويلة: لأنهم فقراء. لأن غيفارا وُلد في الأرجنتين. لأن رونالدو يلعب مع البرتغال. لأن زوجتي تشجعهم، وتطول اللائحة...
يعلو صوت المعلّق الرياضي بنبرة احتفالية. حماسة الجمهور مشدودة، منهم من يريد فوز البرازيل ومنهم من يتوسّل خسارتها. رهانان، بينهما من لا يهمه فوز أحدهما: يراقب بمرح، مفتوناً بسحر اللعبة وإغوائها. يشاهد الكرة ترقص. المرمى يهتز. حركة بهلوانية محترفة من هنا. تمريرة ذكية من هناك. ينظر إلى الجمهور المتحمّس حوله، ويضحك. يرنو إلى الشاشة. يشاهد المباراة بهدوء يكسره صخب المقامرة المجانية والمدفوعة، في مقهى أشبه بملعب، وكازينو.