حسين طليس - سلاب نيوز
عادت ضاحية بيروت الجنوبية في اليومين الماضيين الى واجهة الأخبار الأمنية في لبنان. إجراءاتٌ مشددة نفّذتها الأجهزة الأمنية بالتعاون مع جهاز الحماية الأمنية لحزب الله، أثارت الكثير من التساؤلات، وطرحت العديد من التحليلات والافتراضات، بعضها صحيح، وبعضها الآخر سوريالي خيالي بعيد عن الواقع وحقيقة ما يجري.
أحب البعض أن يربط ما بين هذه الإجراءات وبين خبرٍ انتشر في اليوم نفسه، مفاده اكتشاف نفقٍ في مخيم برج البراجنة، ليتراءى لهم أنّ هذه الإجراءات متعلقة بهذا النفق، الذي أحيك حوله الكثير من السيناريوهات والإفتراضات. فيما الحقيقة أكدتها أوساط أمنية لـ"سلاب نيوز"، مفادها أنّ هذا النفق قديم العهد، يعود لحقبة الثمانينيات من القرن الماضي، استخدمته المقاومة الفلسطينية التي كان يقودها الرئيس الراحل ياسر عرفات. أما إعادة طرح موضوعه اليوم، فهو نتيجة معطيات أمنية حذرت من استخدام أنفاقٍ لتنفيذ عمليات أمنية قد تنطلق من داخل بعض المخيمات الفلسطينية. فاقتضى الكشف عليه ليتبين أنه غير صالح للإستعمال وأن أجزاءً منه مغمورةٌ بالمياه.
البعض الآخر ربط ما يجري من إجراءاتٍ أمنية في الضاحية، بمخاوف لدى الجهات الأمنية تتعلق بنشاطٍ مستجدٍ لتنظيم داعش، يهدف الى إشعال الجبهة اللبنانية بعملياتٍ أمنية متزامنة مع ما يجري في العراق. وزعم هذا البعض أنّ المخيمات الفلسطينية باتت بؤراً حاضنةً لداعش ترفع فيها أعلام التنظيم، ما أدى إلى استنفار مقابل من بعض العائلات اللبنانية في الضاحية الجنوبية، الأمر الذي دفع الجهات الأمنية وحزب الله الى الإنتشار من أجل تفادي أي احتكاكٍ أو توتّرٍ قد يشعل الوضع الامني في المنطقة.
تلك الفرضية أيضاً بعيدةٌ عن الدقة، بحسب الأوساط الأمنية، التي حذرت من أن هكذا إشاعات هدفها العبث بسلامة العلاقات بين المخيمات ومحيطها، وضرب التضامن القائم بين جمهور المقاومة والفلسطينيين، ووحدة المصير والمسار التي تجمعهم تحت سقف المقاومة. وأشار المصدر الى دورٍ فاعلٍ للجهات الامنية الفلسطينية في كشف العديد من الخلايا الإرهابية سابقاً، وخاصةً تلك التي اتخذت من المخيمات مقراتٍ لها بشكلٍ سري.
وشرحت الأوساط لسلاب نيوز حقيقة ما جرى، والذي يسجل إنجازاً أمنياً من العيار الثقيل للأجهزة الأمنية المعنية بمشاركة جهات أمنية فلسطينية. فأي سيناريو أمني كان يحضّر للضاحية؟ وكيف تمّ كشفه وإفشاله؟
تعود الأوساط الأمنية في شرحها لعدة أشهرٍ قبل اليوم، حين تمّ اعتقال المدعو (ج.ح) بسبب تورطه بالقتال في سوريا. وتكشف الأوساط الامنية، أنه في حينها "تم إطلاق سراحه بعد مدة من الإحتجاز، وذلك لغاية أمنية بالغة الدقة والحساسية، إذ وردت معلومات تفيد بأن هذا الشخص مشاركٌ ضمن خلية مؤلفة من 5 أشخاص، في التحضير لعمليات أمنية داخل لبنان، وسعياً الى كشف كامل المجموعة والمخطط قامت الجهات الامنية بإطلاق سراحه، ووضع كافة تحركاته ونشاطاته تحت المراقبة، ليكون كالطعم الذي سيجذب معه كامل أعضاء المجموعة".
وتضيف المصادر: "‘بعد الحملة التي أطلقها الجيش ضد الإرهاب في لبنان، انخفضت وتيرة تحركات ونشاطات هذا الشخص والمجموعة التي يرتبط بها، وحافظت الخلية على تجميدها الكامل لنشاطاتها طيلة الأشهر الماضية، الى أن حصل ما حصل في العراق في الأيام الماضية، لتعود تلك الخلية الى نشاطها وتقيم عدة اجتماعات بالتزامن مع انطلاق العمليات الإرهابية في العراق، دفعت الجهات الأمنية المختصة الى مواكبة تلك التحركات ورصدها بشكلٍ دقيق، إنتهاءً باعتقال المدعو (ج.ح) على أطراف مخيم برج البراجنة في كمينٍ محكمٍ نهار الأحد الماضي".
كانت شكوك الجهات الأمنية تدور حول التحضير لعملية أمنية مواكبة لما يجري في العراق، يراد منها إيصال رسالة بأن المعركة تمتد على كامل المنطقة من لبنان الى العراق. وفعلاً، بحسب المصادر، كشفت التحقيقات مع (ج.ح) أن الخلية الخاضعة للمراقبة تتحضر لتنفيذ عملية أمنية ضخمة، واضعةً بنك أهداف لها، يتضمن واحدة من عدة منشآت خدماتية داخل الضاحية الجنوبية لبيروت، بسيناريو مشابه لما جرى تنفيذه ضد المستشفى العسكري في العاصمة اليمنية صنعاء، بحيث يتم استهداف المنشأة بتفجيرٍ يتبعه دخول مسلحين مزودين بأحزمة ناسفة، يقومون بتصفية المدنيين الأحياء والإشتباك مع أي تصدٍ أمني لهم، لتنتهي العملية أخيراً بتفجير أنفسهم موقعين أكبر قدر ممكن من الخسائر".
اكتشاف هذا السيناريو كان إنجازاً أمنياً للمقاومة والأجهزة الأمنية اللبنانية، دفع بهم لأخذ الاحتياطات اللازمة حول الأماكن التي من الممكن أن تكون مستهدفة، وتمّ تنفيذ سلسلة اعتقالات طالت 3 أشخاص على علاقة بهذه العملية، وتفكيك الخلية التي كانت تحضّر لها، ليبقى شخص واحد توارى عن الأنظار، بحسب الأوساط الأمنية، التي أكدت عدم خطورة بقائه طليقاً، مشيرةً الى عجزه عن القيام بأية خطوة ضمن العملية دون باقي أعضاء الخلية خاصةً بعد انكشاف أمرهم.
وتختم المصادر مؤكدةً أن العملية قد فشلت، فيما الإجراءات الامنية مستمرة في الفترة الراهنة تحسباً لأي طارئ دون أن يكون هناك معلومات تفيد بأي خطرٍ قريب، إنما الإجراءات تأتي في سياق الوقاية وطمأنة المواطنين، وأضافت المصادر أنّ من ألقي القبض عليهم هم شتات من خلايا تمّ تفكيكها سابقاً بعد ان تلقت المجموعات الإرهابية ضربات قوية خلال الخطط الأمنية التي شهدها لبنان والتي نجحت اليوم مجدداً من خلال التعاون بين جهاز الحماية التابع للمقاومة والأجهزة الأمنية اللبنانية، وأشارت المصادر إلى أنّ تلك المجموعات باتت تعاني من ضعف وتشتت كبير فيما قدرتها على التحرك باتت معدومة بسبب الإجراءات المتخذة، وما تزال العيون الأمنية ساهرة بالدقة والترقب نفسه لضرب أي سيناريو أو مخطط يستهدف لبنان بأمنه وسلمه الأهلي.