يروي السكان والرواد، كيف كان عبد الكريم في سيارته مع صديقه علي جابر، وعندما أراد توقيفها أمام المبنى حيث يقطن مع أهله، التقى بالانتحاري وسأله لماذا يوقف سيارته عكس السير، فأجابه الأخير أن المفتاح معطل. عندها طلب من جابر إبلاغ حاجز الجيش القريب منهما، وما كان من الانتحاري إلا أن فجر السيارة.
يقول عباس صاحب «مقهى أبو عساف» مع شقيقين آخرين إن عدد الرواد في لحظة وقوع الانفجار كان نحو مئة وخمسين شخصاً، لكن الذين أُصيبوا بجروح طفيفة كانوا عند المستديرة وفي المبنى المقابل. يبتسم وينتقل بين الزبائن مستجيباً للطلبات الكثيرة، قهوة، شاي، نسكافيه، ويضيف أنه من مؤيدي فريق انكلترا في كرة القدم، ويؤيد فرق جميع المستضعفين، ثم يعلق ممازحاً: «أنا مع انكلترا، ولكونها خرجت من المباريات فهي إذا فريق مستضعف».
من الرواد ابو هيثم خليل من الشياح، وقد تحول إلى نجم تلفزيوني ليوم واحد، الجميع يدل عليه من أجل الحديث معه. يعمل أبو هيثم في تصليح الكهرباء، لكنه لا يطيق العيش من دون زيارة «أبو عساف» يومياً صباحاً ومساءً. يقول إن «جميع الرواد يعرفون بعضهم، وهم في غالبيتهم من الشياح والطريق الجديدة، من عائلات الخطيب ويقظان وفليفل وعيتاني، والذي فجر نفسه لا يعرف دين محمد». ويوضح أن جميع الرواد كانوا لحظة وقوع الانفجار قبالة شاشة التلفزيون الموضوعة عند باب المقهى، أي أن وجوههم كانت للشاشة وظهورهم للشارع، وفجأة وقع الانفجار على بعد عشرة أمتار منهم، لكن أحداً لم يصب بأذىً. ويوضح أن المقهى يفتح أربعاً وعشرين ساعة، لكن لعب الورق فيه ممنوع وليس كما بثت إحدى وسائل الإعلام. ويمنع أيضاً شرب الخمرة.
يضيف صديقه أحمد طالب رداً على سؤال عن عدم خوفهم ومجيئهم كالعادة إلى المقهى: «إذا أحببت الموت غيرك يكرهه».
ويؤكد ابو هيثم أنهم سوف يأتون مساءً كالعادة، وإذا كانت شاشة التلفزيون غير صالحة بعد احتراقها، سوف يجلبون جهاز تلفزيون معهم، لمتابعة المباريات هنا. بينما يوضح محمد الأتات أن أصدقاءهم من الطريق الجديدة اتصلوا بهم جميعاً للاطمئنان عليهم، مشيراً إلى أن المقاهي تصطف على طول الشارع، ولكن الله ستر.
بين أبو عساف وأبو هادي، يقع صالون حلاقة نسائي لصاحبته آمنة الحاج، وقد أصيب محلها ومنزل أهلها في المبنى المقابل. تقول شقيقتها مريم إنها كانت تشاهد المباراة في منزل أهلها مع طفلتها ليليا ابنة الثلاث سنوات، بعدما وضعتها في حضنها لاصابتها بالأرق. وعندما وقع الانفجار شعرت بضوء أبيض يدخل المنزل مع لهيب من النار. أخذت طفلتها تصرخ خوفاً، ثم قالت وهي تبكي: «ماما حرقوا لي طابتي وكسروا الزجاج».
تضيف مريم أن سيارتها تحطمت بفعل الانفجار، بينما أرسلت طفلتها للاقامة لدى إحدى صديقاتها، ولديها اطفال اقران لها، في انتظار إعادة تأهيل المنزل، موضحة أن زوجها يعمل في أنغولا وعادت هي كي تعيش في لبنان.
في جوار صالون الحلاقة، يقول صاحب مكتب تأجير سيارات محمد الموسوي، إن لديه خمسين سيارة، لكن واحدة فقط كانت أمام المحل، بينما البقية مؤجرة، وقد تكسرت السيارة مع زجاج الواجهة. يبتسم الموسوي ويقول: «إذا ضحكنا أو بكينا المعادلة واحدة. هناك شيء اكبر من إرادتنا ويترتب علينا التعايش معه». ويسأل: «ماذا سينفعنا الندب وعدم الخروج إلى أعمالنا؟».
في مقهى أبو هادي كان نحو ستين شخصاً منهمكين بمشاهدة المباراة، وأدت قوة دفع الانفجار إلى إيقاعهم مع الكراسي، قبل ان ينهضوا مجدداً ويتفقدوا أجسادهم. ويقول صاحب المقهى: «امتلأ المكان بالشظايا والزجاج المتكسر إثر سقوطه من المباني، لكن لم يصب أحد من الرواد بأذى. بالنسبة لي العناية الالهية ترفقت بنا».
أما أكثر المباني التي تضررت، فكان المبنى الرخامي الأبيض، بشرفاته المزينة بالدرابزين الأحمر، والواقع مباشرة مقابل حرج بيروت. لقد حطم الانفجار واجهته، وكان العدد الأكبر من المصابين من سكانه. تقول أم مصطفى فرحات التي تقيم في المبنى إن ولدها مصطفى ابن الثمانية عشر عاماً أُصيب بيده بينما كان يحضر المباراة مع شقيقه الأصغر سناً في غرفة الجلوس. وكانت هي وزوجها وأولادها الأربعة نائمين في غرفهم. وعندما وقع الانفجار هرعت إلى غرفة ولديها الصغيرين، ثم جاء مصطفى إليها وهو ينزف من يده. خافت كثيراً من انقطاع الشريان الرئيسي، لكنها تضيف: «الحمد لله كانت الإصابة بسيطة، ونقله خاله إلى المستشفى حيث تم تضميد يده».
عند منتصف اليوم التالي: انتهى المسح الجنائي، ونظف عمال بلدية الغبيري ساحة الانفجار من الزجاج المتناثر وهياكل السيارات المحترقة... كأن عاصفة مرت وعبرت.
لا علاقة
أوضح حسين محمد حيدر صاحب سيارة الـ«مارسيدس» الحمراء اللون موديل 1961 طراز 180 الرقم 144631و، أنها كانت، أثناء وقوع الانفجار في الشياح، مركونة بجانب الطريق وليست مسروقة، ولا علاقة لها بالانفجار.