كان الكهف يدعى «بير كبعا» لوجود ينبوع ماء داخله يشبه الينابيع الكثيرة التي روت ظمأنا في تلك الطفولة العطشانة الى فرح الحياة على مقربة من غاصب لئيم سرق التاريخ والجغرافيا ولوّث الهواء بسموم حقده وعدوانه، كانت طفولتنا معقودة على صداقة الينابيع، مجدولة بعناقيد الضياء، مبللة بندى الفجريات، متراقصة على وقع أغاني الحطّابين والحصّادين وأناشيد الرعاة العائدين تؤذن أجراس قطعانهم ببداية المغيب استعداداً لوسادة أحلام كبرى رضعناها مع الحليب وارتشفناها من تلك المياه المتدفقة داخل غرفنا الترابية الضيقة المتسعة بدعاء الأمهات وصلواتهم، التي لا تزال الى اليوم تشكّل مخزوناً جوفياً روحياً ووجدانياً يحرّك أفئدتنا ويُصوّب بوصلة عقولنا، لكنها طفولة مشطورة أو مبتورة أجزاء متناثرة اذ سرعان ما اقتلعنا الاحتلال الاسرائيلي من أرض أحلامنا الغضّة الطرية لنتوزع وذكرياتنا الطرية في مدن وقرى بعيدة نسبياً عن وحشيته التي ظلت تلاحقنا أنّى كنا محاولةً التهام ما تبقى من أعمارنا المتشظية على قارعة الحروب.
مشاهد كثيرة مماثلة حفرت ندوباً لا تمحى من الذاكرة والوعي الأول الذي تشكّل على وقع همجية اسرائيلية لم تترك بشراً ولا حجراً، اذ غالباً ما كان العدو يشن غارات متلاحقة على قرانا الحدودية، يقتل، يدمر، يخطف، يعربد براً وبحراً وجواً، وما من صوت «رسمي» يعلو على امتداد الوطن مستنكراً (على الأقل) غيّه وعدوانه، كأن تلك البقعة الحدودية الساحرة بطيبة أهلها وناسها وطبيعتها الخلابة وموروثها من التضحية والفداء والانتماء ليست جزءاً من كيان كانت «قوته» (آنذاك) في ضعفه كما أحب البعض واشتهى، وذلك على الرغم من كل التحذيرات الصادرة حينها عن أصوات عاقلة مستنيرة مستشرفةً هول مخاطر محدقة بالوطن الصغير من جهاته الأربع وليس فقط من جنوبه المتروك لمصيره، وأذكرُ انني وقعتُ في الأرشيف أثناء تحضيري لحوار متلفز مع الزميل جميل مروة على مقالة لوالده المغدور كامل مروة كتبها العام 1948 (أعاد نشرها الزميل واصف عواضة في «السفير») محذراً من مخاطر الاعتداءات الاسرائيلية اليومية على جنوب لبنان، ينبّه فيها الى ما تتعرض له قرى حدودية مثل بليدا وحولا وعيثرون من قصف اسرائيلي شبه يومي، قائلاً بالحرف إن بيروت وطرابلس وجونيه لن تبقى مضاءةً ما دام العدوان قادراً على «إطفاء» مدن الجنوب وقراه لكن أحداً لم يحرك ساكناً على مَرّ العقود ومُرّها، وكامل مروة لم يكن يسارياً ولا ثورياً، ومع ذلك لم يصغ أحد في دولتنا الغائبة عن جنوبها لأصوات العقلاء المحذرة من نذر شر مستطير تتجمع في الأفق لتلتهم لاحقاً بنارها أرجاء الجغرافية اللبنانية المحكومة بطبقة سياسية مفتونة بذواتها الفارغة المتورمة، وغارقة في وحول طائفيتها النتنة، ومأزومة بعجزها المطلق عن ابتكار حلول ناجعة لأزمات نظامها المتناسلة جيلاً تلو جيل، طبقة صمّت أذانها عن سماع كامل مروة أو موسى الصدر حين قال: لن يبتسم لبنان وجنوبه يتألم!