أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

8 سنوات على حرب تموز..الحياة في الضاحية تسير بين طلقات الرصاص

الأربعاء 13 آب , 2014 09:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 5,491 زائر

8 سنوات على حرب تموز..الحياة في الضاحية تسير بين طلقات الرصاص

في الضاحية تُعلّق صور شهداء المتفجرات والحرب في سوريا، في المنازل والمحال والشوارع، ويتم تناقلها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تماماً مثلما علقت صور شهداء حرب تموز. وعلى الرغم من الجدل الذي يدور في شأن مشاركة «حزب الله» في حرب سوريا، إلا انه يبقى برأي سكانها ضمن رد مشروع التآمر المستمر على المقاومة.

بعد حرب تموز انتعش الوضع الاقتصادي في الضاحية بسبب عملية إعادة الاعمار، وتقاضي التعويضات عن الحرب. وبعد التفجيرات، ترافق التوتر الأمني مع تراجع القدرة الشرائية، لدى المواطنين لكي يصيب الضاحية بتراجع مزدوج، ترك أثره، حتى على حركة السير داخلها. فقد اختفى أهل الخليج الذين كانوا يتسوقون ويقيمون في منازل عدة فيها، وقل عدد المغتربين الذين كانوا ينعشون أسواقها، كما تراجع عدد الزيجات، فأدى إلى تراجع في شراء تجهيزات المنازل من اثاث وأدوات منزلية وكهربائية، وكذلك ملابس العرائس. وبعد توقف التفجيرات انتعش الوضع جزئياً من جديد.

من % 50 إلى % 20

يقول مدير مبيعات محال للمفروشات في الضاحية فؤاد الموسوي إن المبيعات تراجعت في جميع الفروع في المناطق. كان يأتي إلى محله زبائن من الشمال وبيروت، لأن لديهم فكرة بأن الأسعار عندهم أقل من المحال الأخرى. يضيف أنه كان لديه زبائن خليجيون من المصطافين في قرى الجبل من بحمدون وعاليه وصوفر. لقد تغير الوضع حالياً، العراقي الذي يملك الملايين لا يأتي إلى الضاحية، إنما إلى المناطق الشرقية من بيروت. ويتم الاتكال على الزبائن اللبنانيين فحسب. ويروي أن شقيقته تعيش في بريطانيا وشقيقه في فرنسا، وقد نصحهما أهلهما بعدم زيارة لبنان. كانت زحمة السير أمام المحل لا تتوقف، أما الآن فبالكاد بضع سيارات، لأن كل من يريد التوقف أصلاً يجب التأكد من هويته.ويوضح صاحب محل لبيع الملابس أن المحل يؤمن له مصروفه لا أكثر، معتبراً أن على الناس الصبر لأن الأزمة الأمنية والاقتصادية لن تحل قبل انتهاء الحرب في سوريا.

وترى صاحبة محل آخر أن الناس لم يعودوا يسيرون براحة في الشوارع، يأخذون طلبهم ويغادرون، لكن لا يزال لديها زبائن من خارج الضاحية لأنهم يعرفونها، بينهم إيرانيون وعراقيون ومصريون.

لم يكن البائعون في محل بيع أدوات كهربائية معروف في الضاحية يتوقفون عن العمل حتى لتناول الطعام، لكثرة الزبائن. يقول أحمد العامل في المحل إن المبيعات تراجعت خمسين في المئة. كانوا يعتمدون على موسم الصيف حين تكون الحركة ضعفها عن موسم الشتاء، بسبب مجيء المغتربين والمصطافين من دول الخليج، والزيجات التي تحصل عادة في الصيف. يضيف أن المبيعات كانت تشهد تراجعاً عاماً بعد عام، بسبب تردي الوضع الاقتصادي، ثم توقفت تقريباً بعد الموجة الأولى من التفجيرات، وتعود تقريباً في الأيام الأولى من كل شهر. ويتحدث أحمد عن عجز لدى الزبائن في دفع الأقساط المترتبة عليهم في سابقة لم تحصل سابقاً. وقد بلغ عدد العاجزين عن دفع الأقساط خمسين زبوناً، من اصل مئتي زبون يشترون الأدوات الكهربائية بالتقسيط. ويوضح أن هناك زبائن لم يتقاضوا رواتبهم منذ ثلاثة أو أربعة أشهر إلا بشكل جزئي. ولا يجد صاحب المحل من خيار أمامه سوى مراعاة الزبائن وتأجيل الدفع. كان لديه زبائن خليجيون، بينما لم يأت واحد في المئة من المغتربين هذا العام.

ويروي عبد الله الحلباوي صاحب متجر لبيع الحبوب والبهارات أن مبيعات الحبوب تراجعت أيضاً، مع العلم بأنها رئيسية في وجبات الطعام، وكأن الاستهلاك أو التموين تراجع، أو ساهمت نوعية الطعام في تغير عادة تناول الحبوب.

ويسأل أحمد من خلال خبرته إذا كان موسم الزواج قد تراجع. ويقول إن هناك زبائن حجزوا أدوات كهربائية، ثم تراجعوا عن شرائها بعد إلغاء الزيجات. ويقول رئيس «جمعية تجار سوق معوض» عصام العبد الله إن شراء ملابس الأعراس قل عن المواسم السابقة، وكان الاعتماد فيها على المغتربين الذين يأتون للزواج. وربما يعود السبب إلى تراجع أعداد المغتربين الذين قدموا إلى لبنان، أو لانتقالهم إلى قراهم بسبب انقطاع المياه والكهرباء وعدم بقائهم في الضاحية.

ويوضح العبد الله أن المنافسة شديدة في مجال تجارة الألبسة، في ظل الفوضى التي تعم هذه التجارة، بعدما أصبح كل من يملك خمسة آلاف دولار يستورد ملابس لبيعها، وهناك من يبيعها في المنازل، مع العلم بأن عدداً من البائعين الطارئين يفلس سريعاً. وقد تناقص عدد المحال في شارع معوض خمسة وثلاثين محلاً، بعد التفجيرات. يوجد فيه بالأصل مئة وعشرون محلاً، فتح منها مئة محل تدريجاً. وهناك أصحاب عشرين محلاً غيروا مصالحهم. يضيف العبد الله أن نسبة المبيعات تراجعت خلال فترة التفجيرات خمسين في المئة، ثم تحسّنت بنسبة عشرين في المئة، فيما أصبحت كلفة الكهرباء تستدعي وحدها تأمين الموازنة المالية لها، إذ يترتب على كل محل الاشتراك بخمسة عشر أمبيراً شهرياً من أجل الإضاءة والتبريد، وتبلغ كلفة كل خمسة أمبيرات مئة وخمسة وستين ألف ليرة.

يرى كثيرون من أهالي الضاحية أن الحرب مع إسرائيل واردة في أي لحظة. ويسأل فؤاد الموسوي مَن كان يتوقع الحرب في غزة وبهذه الوحشية؟ لكنه مطمئن الى أن إسرائيل لن تستطيع قصف الضاحية مرة ثانية.

ويقول صاحب محل في معوض «اننا في حرب دائمة مع إسرائيل لا نعرف متى تنفجر». ويضيف: «نحن نحفظ معادلة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، الضاحية مقابل تل ابيب، لذلك لم تعد إسرائيل قادرة على قصف الضاحية». ويعتبر أن «المقاومة في لبنان قوية وقادرة على قصف جميع المناطق في إسرائيل». ويستدرك: «على كل نحاول قدر ما نستطيع». وعلى الرغم من الكشف عن عدد من الخلايا المتطرفة، يقول عبد الله الحلباوي إنه لا تزال توجد خلايا نائمة ولا نعرف متى تستيقظ وتضع التفجيرات.

وتعبر السيدة نبيلة وهي أم لثلاثة أولاد عن «مقولة موجودة لدى غالبية الناس»، وهي «الخوف من التفجيرات أكثر من الحرب مع إسرائيل». وتقول: «في الحرب نعرف ما هي المناطق التي تقصف، فنلجأ إلى المناطق الأكثر أمناً، أما في التفجيرات فلا مكان آمناً». وقد فكرت مثل كثيرين من السكان في الانتقال من منزلها في الضاحية واستئجار منزل خارجها لتخفيف الخطر عن أولادها خلال تنقلهم. لكن بعد عودة الهدوء تخلت عن الفكرة. فيما يقول أحمد إن عدداً ممن يملكون منازل في الجنوب والبقاع انتقلوا إليها تلافياً للتفجيرات، وطمعاً في تخفيف الكلفة المعيشية.

الكهرباء والمياه.. والأعصاب

تصف نبيلة، وهي من أسرة من الطبقة الوسطى ومتعلمة، هذا العام بأنه «الأشد قسوة» عليها منذ إقامتها في الضاحية الجنوبية قبل سبعة وعشرين عاماً. تزداد الضغوط عليها حتى تشعر بأنها تريد توليع الدنيا من حولها. تعتبر الوضع قبل حرب تموز أفضل من اليوم: «لقد زادت الفوضى والدراجات النارية والزحمة، وترافق ذلك مع انقطاع المياه والكهرباء». وتضيف أن «الناس هنا طيبون وخدومون، لكن الأزمات أكثر من قدرتنا على تحملها».

واستناداً إلى أسعار الكهرباء المعتمدة في الضاحية، يراوح سعر خمسة أمبيرات بين المئة وسبعين ألف ليرة كحد اقصى، وثمانين ألف ليرة كحد أدنى، وهي تسعيرة المناطق الفقيرة مثل حي السلم، حيث تعتمد المنافسة بين أصحاب المولدات، بينما يتم في المناطق الأخرى تنظيم المولدات بإشراف حزبي، فلا يستطيع أحد المنافسة لا في المولد ولا في السعر. أما بالنسبة إلى المياه، فيتم شراؤها بأسعار أرخص من العاصمة بيروت نظراً لوجود آبار في الضاحية. وتوضح نبيلة أنها تشتري كل عشرة براميل مياه بأربعة وعشرين ألف ليرة لأنها مياه غير مالحة، وتكفيها لمدة ثلاثة أيام لأنها تعتمد التوفير بالحد الأقصى، وتحمل معها ملابس العائلة كل أسبوع إلى الجنوب لغسلها، مشيرة إلى أن المياه في منزلها في الجنوب أيضاً قليلة لكنها أفضل حالاً من الضاحية. وتدفع بدل كهرباء مئة وخمسة وستين ألف ليرة شهرياً.

ويقول أحمد إنه يدفع مئة وخمسة وستين ألف ليرة بدل الاشتراك في خمسة أمبيرات، ويشتري عشرة براميل مياه مالحة بخمسة عشر ألف ليرة. وفي منطقة أخرى التسعيرة موحدة، ويدفع علي مئة وستين ألف ليرة بدل الاشتراك بخمسة أمبيرات. وقد تركت مشكلة انقطاع التيار الكهربائي أثرها على نسبة بيع المكيفات، فكان أحمد يركب بين ثلاثمئة وأربعمئة مكيف كل صيف، أما هذا الصيف فركب مئتي مكيف، بينما كان صاحب محل آخر يركب مئتي مكيف كل صيف، وهذا الصيف لم يركب عشرين مكيفاً. لقد استبدل الناس المكيفات الكهربائية بالمراوح.

تحسن قطاعات

مقابل تراجع الخدمات ومبيعات الملابس والمطاعم، تحسنت قطاعات أخرى مستفيدة من الحرب في سوريا، وهي، كما يوضح رئيس «تجمع الصناعيين في الضاحية» اسامة الحلباوي، معامل تصنيع المواد الغذائية، وفرش الاسفنج، والمواد البلاستيكية التي تباع للنازحين وتصدّر إلى سوريا. يضاف إليها صناعة الأحذية التي تُصدّر إلى السعودية والكويت بعد توقف المنافسة السورية. أما المصانع التي تضرّرت أو تهدمت خلال حرب تموز، فلم تحصل على تعويضات من الحكومة، على الرغم من كل الوعود بذلك. ويقول حلباوي إن التجمع لم يلق أي تجاوب لا من المسؤولين ولا من حاكم مصرف لبنان. وقد زار حلباوي قطر برفقة وزير الصناعة السابق غازي زعيتر طلباً للمساعدة، لكن الوزير لم يحصل على طلبه. ويوضح أن قسماً من المعامل استطاع العودة إلى العمل بتمويل ذاتي، وقسما آخر يرزح تحت الديون، وقسما توقف عن العمل. بينما يصف وضع الصناعة في الضاحية حالياً بأنه شبه مستقر.

وكان يوجد في الضاحية قبل حرب تموز ستمئة معمل ومصنع، بينها أربعمئة وخمسون معملا متوسط الحجم، عادت جميعها بجهود فردية. وبلغت قيمة الأضرار في معامل الضاحية تسعة وثلاثين مليون دولار، بينما رصدت «منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية» مبلغ ثلاثمئة وخمسين ألف دولار لعشرة مصانع، تشمل قطاعات محددة في مجال المفروشات والجلديات والنسيج وزيت الزيتون والمأكولات والمشروبات. ولم يتم العمل بالقرار الصادر عن حاكم مصرف لبنان القاضي بتعويض المصانع المتضررة من جراء حرب تموز.


Script executed in 0.16997814178467