تمّوز أتى وغيّر العالم، ومعه بلادنا. ثماني سنوات على حربٍ لم تنتهِ حتى اليوم، توقّف إطلاق النار ولم يتوقّف المشروع الذي خيضت الحرب لأجله.
في مثل هذا اليوم انتصرت المقاومة، غرزت في صدر العدو رصاصاتٍ لا يمكن سحبها، وزرعت في نفوس ناسه ما لا يمكن محوه، لأنّ هزيمة العدو لم تخطر على بال أحد، في لبنان، وكذلك في الأراضي المحتلة وفي العالم.
في الداخل اللّبناني، لم تجرِ السفن بحسب ما يشتهي العدو، على رغم التباين الكبير بين الموقف الشعبي خلال الحرب، والمواقف السياسية المتنوّعة.
في السياسة تجسّدت مفاجأة العدو بموقف العماد ميشال عون، فكانت الرهانات حينها على أنّ عون سيلوم المقاومة على خطفها الجنود، وسينكس هو وتياره بورقة التفاهم مع حزب الله، وسينزع عن الحزب صفة المقاومة الوطنية التي يقبل بها المسيحي كما باقي شرائح المجتمع اللبناني. رهانات العدو لم تصب هدفها، فخرج العماد عون منذ الأيّام الأولى للحرب ليؤكّد وقوفه وتياره إلى جانب المقاومة، لا بل أنّه خطى الخطوة التي اعتبرها البعض من الخيال مع بداية الحرب، فقد اعتبر الجنرال أنّ المقاومة اللبنانية ستنتصر على العدو في عدوانه على لبنان. الجنرال نفسه، واجه العديد من الضغوطات، فزاره وفد في الأيّام الأولى لإقناعه العدول عن موقفه، والإنسحاب من ورقة التفاهم. هناك في الرابية، أخبروا الجنرال أنّ سجناً بزنزانة ضيّقة تم تحضيره للسيّد حسن نصرالله، وأنّ محاكمة ستجري له بعد القبض عليه، حاولوا تدمير معنويات الرجل، ابتسم عون وقال "من يضحك أخيراً يضحك كثيراً"، فخرج الوفد من الرابية عاقد الحاجبين.
السيّد نصرالله علم بما جرى، فأخبر عائلته والمقرّبين منه "في حال استشهدت في هذه الحرب، احيكوا اسم العماد ميشال عون على كفني".
ليس بعيداً عن الرابية سوى كيلومترين إثنين، اجتمع صقور فريق الرابع عشر من آذار مع وزيرة الخارجية الأميركية حينذاك كونداليزا رايس، طالبوها بالضغط على العدو لإطالة أمد المعركة، بينما كانت "كوندي" في بيروت و"بدها الصرفة"، فأرسلتها بلادها بطلب من حليفها الكيان لمحاولة العمل على وقف إطلاق النار.
لم تختلف صدمة عون للعدو وداعميه عن الصدمة التي تلقّاها هؤلاء من الناس في لبنان، من الشعب اللّبناني في كل المناطق. هذا الشعب الذي احتضن النازحين من الجنوب والضاحية، فتح لهم البيوت، اختلط بهم لدرجة بات عبرها هو وهم بيئة وطنية واحدة حاضنة للمقاومة، وداعية لها بالإنتصار، ليتمايز جمهور الرابع عشر من آذار في صيدا والشوف والطريق الجديدة وعاليه وبكفيا والبترون عن قيادته السياسية التي واجهت مع العدو المقاومة، بينما واجه هو مع أهل المقاومة وناسها العدو، وصمد، وانتصر.
ماذا لو لم يحصل هذا كلّه؟
لم يفكّر اللبنانيون يوماً بسيناريو آخر لحرب تموز، لم يتخيّلوا حال بلادنا لو استطاع العدو تسجيل ولو نقطة واحدة على المقاومة.
بإسقاطٍ صغيرٍ لتلك المرحلة على أيّامنا هذه، نلاحظ أنّ مشروع تقسيم الشرق الأوسط منذ العام 2001 لم يتابع طريقه نحو لبنان، فقتل الحريري عام 2005 استثمره الغرب بأفضل طريقة في البلاد، وحاول عبر اجتياح لبنان أو إخضاعه عام 2006 من إستكمال المؤامرة للإيقاع بين اللبنانيين وجرّهم نحو حرب أهلية كانت لتنتهي بعكس سابقتها. كانت لتقسّم بلادنا كما يقسّم العراق اليوم، لمناطق إثنيّة ومذهبية تعيد الدولة إلى دويلات وتضرب كل جهود البناء والتوحيد منذ العام 1992 وحتى اليوم.
قد يكون موقف رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط مع نهاية الحرب هو الأكثر حكمةً بين ساسة لبنان، فجنبلاط وكما عهده اللبنانيون استشعر نصر المقاومة، فوجّه قبل نهاية الحرب سؤالاً إلى قائدها عن إلى من سيهدي الإنتصار.
بعد الحرب، شرّعت المقاومة أبوابها للحوار، على عكس ما يفعل المنتصرون عادةً، ففي فرنسا وبعد انتهاء الحرب ضرب ديغول بكل شركائه عرض الحائط، وحكم بنفسه، بينما أهدى السيّد حسن نصرالله كل لبنان الإنتصار، وشارك بأقلّ عدد ممكن من الوزراء في حكومةٍ ضمّت الخصوم والمتآمرين، كما تصف بعض شخصيات الثامن من آذار من لم يقف إلى جانب المقاومة في الحرب.
اليوم ينعم لبنان بثمرات انتصار المقاومة، التي كسبت ثقة الجمهور واتجهت سوريّاً لوقف التمدّد الإرهابي الذي يحمل المشروع نفسه، مشروع الفتنة والإقتتال الداخلي.
لولا تمّوز لما عاش لبنان شهراً واحداً بسلام، ولولا تمّوز لما بقي جمهور الثامن من آذار ولا جمهور الرابع عشر من آذار حيث هم، لولا تمّوز لكانت "إسرائيل" بيننا اليوم، تفرض علينا الخوّات، تمنع تجوّلنا بعد الساعة السابعة مساءً، تمنع الأطفال من الذهاب إلى المدرسة، والشباب من الذهاب إلى السينما، لولا تمّوز لأرسل العدو إلينا داعش، لتمنع نسائنا من الخروج، لتلبسهنّ النقاب، لتجلدهنّ، ولتجبرهنّ على الزواج من عناصر لا تشبه البشر. لولا تمّوز لكان لبنان الكيان بخبر كان، وكانت ثقافة "أنا بحب الحياة، رايح إسهر بالجميزة" تحوّلت إلى "أنا أحب الجهاد، رايح إجلد الكفّار".
حزب الله بمقاومته منع كل ذلك، وانتصر لمحبّي الحياة وناسه، وللبنان.