يُسرّع أبو خالد «الخضرجي» في خطواته للّحاق بموعد صلاة الجمعة في «جامع العرب». لا يتّسع الجامع لحشد المصلّين الذين يفترش قسم منهم الشارع الملاصق بحُصر القشّ المصنَّعة في السّاحل السوري. في الداخل كان إمام الجامع يقول إنّ «فلسطين هي قبلة الجهاد الحقيقية، وإن دعم صمود أهل غزة هو واجب شرعي وأخلاقي». لكن «الشيخ» الذي لم يفسّر للناس شكل هذا الدعم، لا ينسى في المقابل دعوة المصلّين إلى الاقتصاد في استخدام المياه بفعل الأزمة التي يعيشها لبنان هذه الأيام. يجزم الشيخ يحيى العمري بأنه لم يتلقَّ يوماً أيّ تحذير من جهات سياسيّة بضرورة التزام سقف سياسي معين. «نهجنا هو الابتعاد عن القضايا السياسية الخلافية»، يقول الشيخ، مشيراً إلى «استفزازات صبيانية» حصلت غير مرّة، ولكن أهالي المنطقة قاموا بوضع حدٍّ لها.
وجامع العرب الذي يعود تاريخ بنائه إلى نحو مئة وخمسين عاماً، كان وما زال قبلة المصلّين من «أهل السنّة» في الضاحية الجنوبية. مواطنون لبنانيون وسوريون ومصريون وسودانيون ومن جنسيات آسيوية متعدّدة كلّهم تحت سقف واحد. في أيام الجمعة يتحوّل الشارع المجاور لـ«جامع العرب» إلى سوق تجارية صغيرة لساعة من الزمن، وعلى باب الله! خلْف الجامع، وفي بيت من بيوت «البُرج» الذي ما زال يحتفظ بما تبقّى من معالم «الضيعة»، يتداول مجير العرب مع عدد من «وجهاء البلدة» أمور الناس والبلاد و«لجنة الوقف». يستحضر الرجل السبعيني شيئاً من سيرة صالح العرب (أحد رجالات الأمير بشير الشهابي) الذي قدم إلى المنطقة لأجل بناء الأبراج عند سواحل «الإمارة».
يقدّم «الحاج مجير» الرواية كدليل على أصل التسمية لافتاً إلى أن «البراجنة» هم الذين جاؤوا لبناء وحماية الأبراج وسكنوا المنطقة. يقول عميد عائلة العرب بثقة: «نحن أهل البرج»! إذاً، «أهل السُنّة» في الضاحية عموماً وبرج البراجنة على وجه الخصوص هم مُكوِّن «مؤسِّس» وليس طارئا. يضاف إليهم «سُنّة بيروت» الذين قدموا في النصف الأول من القرن الماضي إمّا للسكن في «ريف العاصمة» في ذلك الحين، وإما لإنشاء مصانع و«مصالح»، فتملّكوا أراضي في مناطق وأحياء مختلفة من الضاحية. لا إحصاء دقيقاً لعدد السكان السنّة في الضاحية، لكنّ عدد الناخبين الذي يقارب الـ10 آلاف في كلٍّ من برج البراجنة والغبيري يشير إلى الأهمية التاريخية والحضارية لهذه الكتلة السكّانية. وخريطة «الانتشار السنّي» في الضاحية لها أيضاً ميزة التنوّع الجغرافي التي قد لا تتوافر في مناطق أخرى!
«نسيج»
لم يشعر حسين برجاوي يوماً بأن السنّة في الغبيري «جالية» أو مواطنون من الدرجة الثانية. «ما زلتُ أصلّي في جامع الغبيري، وما زالت العلاقات هنا راسخة وقويّة». يقول عضو بلدية الغبيري (العضو السنّي الوحيد) محمّلاً وسائل الإعلام مسؤولية تضخيم أحداث «فردية» لا خلفيات مذهبية لها.
يضيف: «هناك صورة مشوّهة وغير بريئة يتعمد العضو إظهارها كالقول إن أهل السنّة في الضاحية مضطهدون. ليأتِ هؤلاء إلى الضاحية ويتأكدوا من أن ذلك غير صحيح»! لكنّ محمّد العتر، وهو ابن إحدى كبرى العائلات السنيّة في الغبيري، يعبّر عن الخوف من تطورات سلبية قد تحصل في المرحلة المقبلة. «نحن أبناء الغبيري، كنا وسنبقى. لا مشكلة مع أهلنا ولكن النظرة تغيّرت بعض الشيء بفعل أحداث المنطقة».
في السياق ذاته، تعتبر ساجدة ناصيف (شبعا) أنها «بنت الضاحية» وترفض فكرة التصنيف أصلاً. تقرّ أن ثمة «نقزة» متبادلة لم تكن موجودة سابقاً في الضاحية. تحفظ ساجدة لـ«حزب الله» تاريخه المقاوم ولكنها تتحفّظ على دخوله الحرب في سوريا. لا مضايقات ممنهجة للسنّة في الضاحية. يتّفق الجميع على ذلك. لكن «المناخ العام لم يعد مشجّعاً»، يقول بلال وهبة من كفر حمام الذي يقطن في الضاحية منذ سنوات طويلة! يلفت علي عثمان (برج البراجنة) إلى تسجيل حالات «هجرة» محدودة لعدد من العائلات السنيّة «ولكنهم من البيارتة ولسوا من أهل المنطقة الأصليين». يضيف: «لم يجبرهم أحد طبعاً على المغادرة».
وتوضح هبة شاتيلا (مدرّسة تعليم ثانوي) أنّ «هجرة» بعض العائلات هي من النوع الموقّت وليس الدائم. «أما من غادر نهائياً ففعل ذلك بالتزامن مع موجة التفجيرات التي شهدتها الضاحية وما أعقبها من إجراءات أمنية»، مشيرة إلى أن ذلك ينطبق على السنّة والشيعة على حدّ سواء»! يبتلع أبو علي خليفة ريقه عند الحديث عن «الحالة التي أوصلنا إليها السياسيون». يعتب على «حزب الله» الذي أُصيب بعض المحسوبين عليه بـ«مرض التضخّم» على حد قول السّنكري العتيق، الأمر الذي «من شأنه أن يشوّه صورة الحزب».
أما محمد كنيعو الذي يملك محلّاً لبيع الخرضوات في الضاحية فيشير إلى أن «مصلحته» تضرّرت نسبياً بفعل «مقاطعة» بعض الزبائن له تزامناً مع تطورات ميدانية هنا وهناك، ولكنها، برأيه، «تبقى حالة محدودة وموقتة»!
لعبة الدم ولعبة الحياة
لكن كيف يراعي «حزب الله» خصوصية «التعايش التاريخي» في المكان الأحب إلى قلبه؟
يقول أحد نواب الضاحية: «موجودون قبلنا ومعنا، المصاهرات قديمة، وان ما يصيبهم يصيبنا وبالعكس».
يضيف: «أهل ساحل المتن الجنوبي معروفون باعتدالهم تاريخياً، سنة وشيعة ومسيحيين ودروزا». ولكن هل أثّر دخول الحزب الحرب في سوريا وتطورات المنطقة في هذا النسيج التاريخي؟ «قطعاً لا». يقول النائب مضيفاً: «دعكَ من خبث بعض الإعلام. لا يخلو الأمر من وجود بعض الموتورين. لم ولن نقبل بأي إساءة أو تعرّض لأحد»!
قرب قصر رياض الصلح في منطقة بئر حسن كانت عجلة الحياة تدور بفوضى تشبه يوميات اللبنانيين. هناك وقع تفجير انتحاري مزدوج قبل خمسة أشهر. في المكان ذاته مات سنّة وشيعة معاً، عاشوا قبل ذلك معاً. «هل سأل الانتحاري عن هويّتهم»؟ يقول لاعب «الغولف» في النادي القريب. يستدير نصف استدارة قبل أن يسدّد كرته على البساط الأخضر بعيداً، ويقول: «لهم لعبة الدم ولنا لعبة الحياة»!
حي «الأكراد»
على تخوم مخيَّم برج البراجنة وفي موازاة السوق التجارية الرئيسية لـ«البُرج» يقع ما يُعرف بـ«حيّ الأكراد». جداريتان عملاقتان لأبي عمّار وفتحي الشّقاقي عند المدخل الشمالي للحيِّ الذي يقطن فيه نحو ألفَي شخص من «البيارتة السنة». في الداخل يقع «مجمّع الروضة» الذي يضمّ مسجداً (يتّسع لألف و400 مصلّ) ومستوصفاً طبياً وثانوية (800 تلميذ). يرفض مختار المصيطبة يوسف العمري التسمية (حي الأكراد) من أساسها مصحِّحاً خطأً شائعاً: «ليس في الحيّ كردي واحد. وقع الالتباس لأننا من أصل تركي (من المنطقة العربية)، ولكن آباءنا لقّبوا بالأكراد».
يشير «أبو بشير» إلى أنه يستخدم في إفادات السّكن اسم «حيّ الروضة» وليس «حي الأكراد». شهد الحي تغييرات كثيرة في الجغرافيا والديموغرافيا. في العام 1965 قدم ثلاثة أخوة من آل العمري من بيروت وابتاعوا أرضاً من آل السباعي ليلتحق بهم في ما بعد عدد من العائلات الأخرى. لاحقاً، جاء أهل الجنوب والبقاع. ولكن ماذا عن العلاقة مع المحيط؟ يقول أبو بشير صراحة: «سابقاً كان هناك ألفة أكثر بيننا وبين جيراننا، خصوصاً من أبناء الجنوب». يضيف: «تزامناً مع بدء أحداث سوريا حصلت استفزازات لأهالي الحي ولكننا قابلناها بحكمة وتعقّل. لم تنقطع العلاقة مع حزب الله والقوى السياسية الأخرى لكن هناك فتوراً حالياً». وباستثناء حادثة الشيخ أحمد العمري على خلفية موقفه المناهض لتدخل «حزب الله» في سوريا والتي غادر على إثرها الحي (عاد لاحقاً)، يؤكد السكان أن أحداً منهم أو من أقربائهم لم يغادر الحي الذي قدموا إليه وسكنوا فيه منذ عشرات السنين.
حي الهبارية
لا يشير «حي الهبارية» مثلاً إلى إحدى قرى منطقة العرقوب ذات الأغلبية السنيّة فحسب، بل إلى واحدة من وجهات الفقر والحرمان أسوة بـ«الأحياء» الأخرى في «حي السلُّم». طرق «محفّرة» تبدو كدهاليز لا نهاية لها! أزمة صرف صحّي عمرها من عمر الحيّ نفسه. انقطاع الكهرباء «المُذِل» لم يكن ينقصه سوى أزمة المياه المتفاقمة. لا وجود لأيّ نشاط تجاري في الحي سوى دكاكين صغيرة تشبه دكاكين الأرياف البعيدة. وحدها لافتة «مستوصف العرقوب الخيري» تشير إلى «هوية» الحي بالنسبة إلى «كشّافة» المكان. لا أسرار هناك بين الناس. السّر الوحيد هو كيف يعيش هؤلاء؟
كان أهل الحيّ في ما مضى يشكّلون ما نسبته 60% من عموم أهالي الهبّارية الذين قدموا في السبعينيات إلى المنطقة نتيجة الحرب الأهلية والاعتداءات الإسرائيلية. عمل السكّان الأوائل في المصانع القريبة، إضافة إلى السلك العسكري. يؤكد «القائم بأعمال الحي» عبد حمود أن نسبة القاطنين في الحي من سكان الهبارية تراجعت كثيراً في السنوات الماضية «لأسباب لا علاقة لها بالتوتر المذهبي الراهن بل نتيجة طبيعية لازدياد السكان وضيق المساحة، والدليل أن قسماً من هؤلاء تملّك أو اسـتأجر شققاً في أماكن أخرى ضمن الضاحية، بينما ســكن القسم الآخر في عـرمون وخلدة والناعمة».
ويجزم «المختار» أن العلاقة مع الجيران لم تتأثر يوماً بأي أحداث هنا أو هناك. «كنا وما زلنا في وحدة حال».
حي عرسال
لأهل عرسال وجود في عموم الضاحية، وحيٌّ باسمهم في المنطقة الواقعة عند نزلة السفارة الكويتية لجهة مخيم صبرا. لكن «حي عرسال» في الواقع ليس كذلك تماماً، بل هو عبارة عن خليط من بعض «العراسلة» وجنوبيين وبقاعيين إضافة إلى سوريين وفلسطينيين. يروي حسن عودة (71 عاماً) أنه وأبناء عمومته كانوا أوّل من «استوطن» من أهل عرسال في هذه المنطقة، وأنه كان هو، بالتواطؤ مع مختار الغبيري، وراء اطلاق التسمية الراهنة للحي. ولعودة رأيٌ واضح في تداعيات ما جرى في بلدته: «صارت عرسال تهمة بحد ذاتها. وصار ابن عرسال يتفادى القول في كثير من الأحيان إنه من عرسال»!
يعتبر الرجل أن أهل عرسال الذين احتضنوا في البداية النازحين السوريين لدوافع إنسانية دفعوا ثمن أخطاء حسابات بعض القوى السياسية المعروفة.