أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الإمام الإنسان كما تتذكره السيدة رباب

الخميس 28 آب , 2014 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 6,190 زائر

الإمام الإنسان كما تتذكره السيدة رباب

في صوتها هدوءٌ وقلقٌ وإيمان، إنها رباب الصدر شرف الدين، شقيقة الإمام المغيّب موسى الصدر. إمرأةٌ كانت للإمام عينًا ترعى وقلباً يحبّ وعقلًا يدير. رباب الأخت التي تربّت "على ركبتي الإمام" ترفض أن تقول "كان"، وحدها مستعدة للتضحية حتى التسامح أو...الانتقام. الملامح واحدة، وكذلك تقاطيع الوجه، والابتسامة الدائمة، والعربية ذات اللكنة الإيرانية المحبّبة، والتواضع ثم الصراحة والوضوح الملطّف والمهذب. جوامع مشتركة بين السيدة رباب الصدر شرف الدين وشقيقها الإمام السيد موسى الصدر.

غياب الإمام الصدر وضعها في مقدمة الصورة، فهي قبل اختفائه كانت تؤدي واجباً اجتماعياً وإنسانياً مثمراً ولكن بعيداً عن الأضواء، ثم فجأةً وجدت نفسها محطّ الأنظار والأفكار والمسؤوليات بعدما اختفى الإمام في الظروف الغامضة التي باتت معروفة.

مع السيدة الفاضلة، التي كان يطلق عليها شقيقها المفقود اسم "عزيزتي رباب"، كانت لدينا الفرصة كي نستمع منها الى شيءٍ مختلفٍ عما عرفناه في الخطابات السياسية والذكرى السنوية والى ما هنالك، ومن رحاب الطفولة والذكريات بدأ الحديث.

بالرجوع الى ذكريات الطفولة ماذا تخبرينا عن طفولة سماحة الإمام؟ وكيف كانت العلاقة مع الإخوة والوالدين؟

"في الواقع هناك فارقٌ زمني كبير جدًا بيني وبين الإمام الصدر، فأنا لم أراقب طفولته لكن بحسب ما كانت تنقله الوالدة عنه، أنه كان الأكثر تميزاً بين أخوتي وأخواتي، حتى تقول والدتي إنه بفترة الحمل كانت تشعر بطقوسٍ خاصة كمتابعة عبادات خاصة، أو تناول مأكولات خاصة".

هو الطفل الرزين، لعبته المفضلة كانت "الفوتبول" لم يكن مشاغباً كسائر أترابه من الأطفال، كان يدرس بلهفة، ويتمتع بذكاء حاد، تقول السيدة الصدر: "مثلًا خلال امتحانات البكالوريا كان الأصغر سنًا من بين 400 تلميذ وتلميذة داخل القاعة، وهو أول من أنهى الامتحان وخرج". من الطفولة ننتقل مع السيدة رباب الى مرحلة الشباب لتخبرنا عن علاقات الإمام المميزة مع أهله، مع شباب العائلة، أولاد الأخ وأولاد الأخت، اهتمامه بشؤونهم وتوجيههم "انا مثلًا كنت من عمر أولاد أختي وأولاد أخي، وكان يشجعنا على حفظ القرآن، ولنا جائزة كل ما حفظنا سورة".

 

16 عامًا لم تكن عائقًا أمام علاقةٍ وطيدةٍ بينهما، لم تشعر الست بهذا الفارق العمري والزمني، وحبها له لم يكن نتيجة رهبةٍ أو خوفٍ على العكس، إنه حب الأخ والأب والأم والصديق. صغر سنها حين توفى والدها، جعل الإمام يشعر بمسؤوليةٍ تجاهها، فحظيت باهتمامٍ ورعايةٍ خاصةٍ منه، ميّزها فيها عن بقية الإخوة، "ربيت على ركبته وهو صندوق أسراري وخصوصياتي" على حدّ تعبيرها.

طباع طفولتها، الصعبة نوعًا ما، "ورشة" و"مشاكسة"، كما تصف نفسها، جعلت الإمام يزداد انتباهًا واهتماماً بها فرافقها في مراحلها العمرية المختلفة وتحديداً في عمر المراهقة، متطلباتها، الأمور التي تريد الإقدام عليها، إضافةً الى دور الوسيط الذي كان يلعبه بإتقان عند أي سوء فهم يقع بينها وبين والدتها، حيث كانت تلجأ الى السيد وكان باستطاعته أن يقنعها ويقنع والدته.

نبتعد بالحديث قليلًا عن أجواء العائلة، لنخرج الى الحياة ونتعرف الى جانبٍ آخر من شخصية الإمام. نلاحظ أنه خلافاً لما هو مشهورٌ عادةً عن العلماء في تلك الحقبة، وخصوصاً النساء في هذه البيوت، التي نادراً ما نلحظ لديهم حركة اجتماعية ناشطة خارج منازلهنّ، كان الوضع لدى عائلة الإمام مختلفًا تماماً. تقول السيدة رباب، "ليس هناك تحفّظ أو امتناع من التقدم أو التطور بل بالعكس كان يوجد تشجيع ومتابعة دائمة معنا. مثلاً إنّ المجلات الأسبوعية والشهرية كانت ممنوعة من الدخول إلى بيوت رجال الدين، هذه المجلات كانت تدخل بيتنا، وأبي شخصياً كان يقرأها ويطالع، من ثم كان يعطيها إلى الفتيات ليقرأنها ويتثقّفن".

 

"الآغا موسى"، كما تناديه السيدة رباب وكلمة "آغا" بالفارسية تعني "السيد"، من بين رجال الدين القلائل في تلك الحقبة الذين اهتموا بدور المرأة، مخالفاً بذلك تقاليد اجتماعية كثيرة كانت سائدة، رغبةً منه بتنمية وتقدم وتطوير قدرات المرأة وإيماناً منه بأهمية دورها في المجتمع، ما أثار تعجّب الكثيرين من حوله، وقد كان له الدور الأكبر في حياة السيدة العلمية والمهنية.

 

"في تلك الفترة كان محظوراً على بنات العلماء الدراسة خارج منازلهنّ أو الخروج منها، وكان الإكتساب محصوراً بما تحضره "المعلمات" إليهن في المنزل"، تقول السيدة رباب، "انا في فترة أحببت مثلًا تعلم الخياطة كأي صبيةٍ في ذاك العمر. لم توافق والدتي على ذلك، حتى أخي الأكبر السيد رضا رفض فكرة التعلم خارج المنزل. لجأت الى السيد موسى باكيةً، وأخبرته عن رغبتي، فما كان منه الا أن توجّه الى والدتي وأقنعها بأسلوبه، كما استطاع إقناع السيد رضا بذلك أيضاً، وعاد إليّ قائلًا "من بكرا بتروحي". أدركت حينها معنى أن تمنح الثقة، خاصةً حين خاطبني بالقول: "رباب إنتِ أول بنت عم تضهري من البيت تتعلمي، كوني نموذج، وهاي مسؤولية برقبتك، إما بتجري بنات العيلة وراكِ ليتعلموا أو رح تحرمي كل الناس".

"لم يكن ما سبق خطوته الوحيدة في تشجيعي على ارتياد الحياة، فقد شجعني وبارك خطواتي ليؤمن لي لاحقاً فرصة عملٍ جاهزة في المؤسسات الإجتماعية التي أسسها، والتي تعنى بالنساء".

 

بعض الأماكن كان لها محبة خاصة لدى الامام وفي مقدمتها كيفون وجباع ربما طبيعة تلك المناطق الخلابة كانت تشعره بالراحة والمنظر الجميل له تأثير أيضا فالأمام كان من محبي الطبيعة، كيفون كانت المصيف المفضل، فيها يجتمع مع الأصحاب في منزل صديق مشترك ويطول السهر حتى مطلع الفجر، وكذلك استراحة "قبية" في جباع التي ما زالت موجودة حتى اليوم لكن معالمها تغيرت بطبيعة الحال، هي شاهدة على جلساتنا وأحاديثنا حيث كنا والأمام نقصدها باستمرار.

بعد يوم متعب يعود السيد إلى المنزل ما بين الساعة 11 و 12 منتصف الليل "يعمر الاركيلة وأبريق الشاي"، نجتمع حوله كما يحب، الساعة 12 كانت بداية الليل بالنسبة له لكن أنا لم أكن أقوى على السهر أكثر من ذلك وكان دوما يقول لي "كل شيء فيكي منيح إلا السهر".

 

تعود السيدة رباب بذاكرتها الى العام 1978، تروي لنا الحوار الأخير الذي دار بينها وبين الإمام في منزلها بكيفون أثناء ترتيبها لحقيبته يوم سفره، مؤكدةً أنه "كان مرتاحًا جداً ولم يقل أية عبارة تشير الى قلقٍ ما كان يختلجه قبل السفر، إستفسرته عن مدة غيابه أجابني: "خمسة أيام، بس ما حدا رح يصدق اني رح غيب خمسة ايام بس وأرجع، انا سفراتي كلها بتطول بالعادة". وكان الغياب الطويل".

 

وحول المرحلة الأولى التي تلت الغياب، وعن التحوّل الذي طرأ على حياتها، بعدما أورثها الإمام حملاً ثقيلاً وعبئاً تاريخياً، حين وجدت نفسها بمقدمة "حركة أمل" وفي المؤسسات الاجتماعية التي أسسها الصدر، تقول السيدة رباب: "في الفترة الأولى بعد الغياب لم أشعر أنني على قيد الحياة، ماذا عساني أن افعل وأصبحت بمفردي، بغياب السيد أصبحت إنسانة أخرى، لم أعد أشعر بالفرح الداخلي كباقي البشر، أكمل عملي وحياتي من باب الواجب لا أكثر، أنظر للأمور بطريقة مختلفة، وأقولها بصراحة لو لم أكن مؤمنة بالله سبحانه وتعالى، ولديّ خلفية أخلاقية مركزة كنت "كفرت بالناس" بسبب المعاناة التي عشتها وتغيير المواقف الذي لاحظته بعد غياب السيد، من قبل هؤلاء كان أمرًا صعبًا جداً".

يملؤها فراغٌ كبير، وتعبّر عنه بطريقتها الخاصة "أنا كل دقيقة اذا بشيل هالورقة وبحطها بذكره لأني معه. كان رفيق دربي، ما من عملٍ الا وله حضورٌ فيه، ذكريات، توصيات".. وفي معرض الحديث تستذكر أحد المواقف وتسرده لنا، "رافقته للمشاركة بإحدى المناسبات، دخلنا واجتمع الناس من حولنا وبدأوا بإطلاق الزغاريد والموشحات، خلال دقائق وعندما أصبح بمقدوره أن يكلمني، نظر إليّ قائلًا: رباب إياك أن تأخذك هذه المظاهر، إنّ هؤلاء محبين، لكن خليك بعقلك بفكرك بإيمانك".

 

لا تستطيع الأخت أن ترى ذلك الرجل الذي يمثل السند والمعلم والأب والقائد والرجل الأقوى بالنسبة لها، على هيئة رجل متعب ارتسمت علامات السنين على وجهه حتى ولو تخطى من العمر الثمانين عامًا، ولدى سؤالها عن صورة السيد في خاطرها، إنتابها سكونٌ تبعه جوابٌ بإنفعال، "لا أتحمل، نفسي وقلبي وروحي لا تحتمل أن أفكّر في ذلك بعمق، بأية حالة هو أو بأية شدة، أو بأي عذاب أو حزن أو بعيد مُتعب، لا أسمح لنفسي حتى أن أفكّر بذلك"، وتحسم قائلةً: "هو دائماً القوي في نظري".

ندى أيوب - سلاب نيوز


Script executed in 0.19292497634888