الطفلة، حين تكبر، ستعرف معنى هذا التاريخ المزدوج. في 15 أيلول، وسط الحرب الأهلية اللبنانية، خُطف رجلٌ اسمه محيي الدين حشيشو. وبعد سنوات، في 15 أيلول، وُلدت جنى. الطفلة لن تتعرف إلى جدّها، ولن تعرف مصيره، مثلها مثل أمها وجدّتها. لا يعرفون، منذ سنوات عجاف، أين هو محيي الدين، مثلهم مثل عائلات 17 ألف مخطوف ومفقود.
اليوم 30 آب. مثل الفرح، العيد، ثمة للحزن، ذكرى. اعتاد «المجتمع الدولي» تسمية هذا اليوم بـ«اليوم العالمي للمفقودين»: «في هذه المناسبة، يتذكر المجتمع الدولي المفقودين في العالم، ويظهر التضامن مع أحبائهم»، يقول بيان جمعية «لنعمل من أجل المفقودين».
تتعدد أشكال المناسبات في هذه الذكرى، وتتفاوت سبل التعبير عن التضامن مع عائلات سكنها الحزن والأسى: «الصليب الأحمر الدولي» أزاح الستار عن جدارية للمفقودين في بيروت وطرابلس وصور، تضامناً مع الأهالي، ويستمر في العمل على مشروع جمع بيانات «ما قبل الاختفاء في الحرب الأهلية، من أجل تقديمها لآلية وطنية، وتسهيل الكشف عن مصير المفقودين.
أما جمعية «لنعمل من أجل المفقودين»، بالاشتراك مع طلاب لبنانيين من خمس جامعات، أنتجت فيلماً وثائقياً بعنوان «لا أمواتاً ولا أحياء»، يعرض معاناة عائلات المفقودين والمخفيين قسراً في لبنان، ويسعى لشرح نضالها المستمرّ من أجل حقّها في المعرفة. ويطرح الحلول المحتملة التي تجري مناقشتها حاليا، وتطويرها لتناسب السياق اللبناني.
يبدأ الوثائقي (15 دقيقة) بصوتٍ يقول: «حفيدتي الغالية جنى». الجدّة تروي قصتها للطفلة، تخبرها عن الأمل الذي وُلد مع ولادتها، والألم الذي أصاب العائلة في 15 أيلول. بعد موسيقى سريعة وصوَر بالأبيض والأسود، تظهر سيدة محجّبة وهي تتحدث عن شهادتها: شاب خُطف في السبعينيات بالقرب منها. سمعت آنذاك صراخاً قريباً، ثم ابتعد الصوت، واختفى الشاب إلى يومنا هذا.
يقول الفيلم إن آلاف اللبنانيين الذي اختفوا، غالبيتهم من المدنيين، وهم من كل الطوائف والمناطق. أما أسباب الخطف والاحتجاز، فهي إما لاختلاف المرجعية السياسية، أو لانتماء طائفي، أو بسبب قناعات سياسية.
عدد المفقودين 17 ألف شخص بين عامي 1975 و1990. ويوضح الوثائقي أن «المئات منهم تم نقلهم إلى السجون السورية. وفي العام 1998، تم إطلاق سراح 150 شخصاً، من بينهم سجناء قضوا في الزنزانات 20 عاماً. وحتى اليوم، تنفي السلطات السورية وجود مفقودين لبنانيين لديها. وثمة مفقودون خطفتهم إسرائيل، لكن أطلق سراحهم في السنوات الأخيرة، في عمليات تبادل».
لم تستسلم عائلات المخطوفين والمفقودين. يقول الوثائقي إنها سعت للحصول على أي معلومات من شأنها الكشف عن مصيرهم، واجتمعت بسياسيين ورجال دين، لكن عبثاً. بعد مرور 30 عاماً، لا توجد أجوبة، فيما «من حقنا أن نعرف أين هم، وإذا هم أحياء أم أموات. نريد حتى بقايا ثياب أو عظام لندفنهم إن كانوا أمواتاً، ونريد أن نراهم إن كانوا أحياء»، تقول رئيسة «لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان» وداد حلواني.
(]) تطلب منظمة «الصليب الأحمر الدولي» من عائلات المخطوفين والمفقودين اللبنانيين، التواصل معها على الرقم 03186386 من أجل التعاون في جمع البيانات المطلوبة، لتسهيل الكشف عن مصيرهم.