أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

من السيد حسن الي السيد عبد الملك.. مقاومة

الثلاثاء 23 أيلول , 2014 09:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 6,670 زائر

من السيد حسن الي السيد عبد الملك.. مقاومة

في عام 1993 أو 1994 كنت في محفل علمائي، فلفت انتباهي رجل ذو ملامح عربية حادة، يبدو في العقد الثامن من عمره، نحيف وليس بطويل، في حالة خاصة من الهدوء والسكينة، بزي علمائي بسيط للغاية وعمة سوداء صغيرة لا توحي بـ"نجفيته" ولا "قميته"!

سألت صديقاً كان قريباً مني عنه، فقال لي: انه السيد بدر الدين الحوثي، زعيم الزيدية في اليمن.. نهضت اليه وكلي شوق بأن التقي من هم مثالنا لكن بنكهة تختلف شيئاً ما عنا! وكأنني أسافر الى القرن الهجري الثاني مستشعراً مواقف زيد الشهيد (رضوان الله عليه) ومقولته الشهيرة التي كنت أخطها على أحد دفاتري منذ السنوات الاولى لعدوان صدام على الجمهورية الاسلامية: "ما ترك قوم حر السيف الاّ ذلوا".

أجل.. نهضت اليه وسلمت عليه وجلست عنده، فوجدت في حديثه الصدق والعمق والعزيمة والوضوح.. لم يخطر ببالي حينها أن يكون هذا السيد النحيف ذو الملابس البسيطة وأبناءه قادة التغيير في اليمن الذي أفقده حكم علي عبدالله صالح الكثير من سعادته التاريخية وهو يحاول تقليد طاغية العراق صدام حسين في كل حركاته وسكناته.. أو أن يصمد هذا السيد وجماهيره في وجه ستة حروب فرضها صالح وآل الأحمر ومن يقف وراءهم عليه، فما زادته الاّ قوةً واصراراً وثباتاً.

والعلامة بدر الدين بن أمير الدين الحوثي (مواليد 1927 في ضحيان ونشأ في صعدة) والد الشهيد المؤسس حسين (1956 - 2004) والقائد السيد عبدالملك، هو الذي تصدي للمدّ الوهابي - السعودي في اليمن والذي عمد من خلال دعاته والمبشرين به وفي مقدمتهم الشيخ مقبل الوادعي (1356- 1422هـ) مؤسس دار الحديث في دماج والشيخ عبد المجيد الزنداني مؤسس جامعة الايمان في صنعاء و"التي خرجت كل ماله علاقة بالارهاب في اليمن حسب وصف الغربيين".. الي طمس تراث اليمن ومذاهب اهله (الزيدية والشافعية) ونشر التطرف والتشدد بين أبناءه ومحاولة تأليب القبائل علي بعضها من أجل ضربهم ببعض...

السيد بدر الدين الحوثي رحمه الله تولي التأسيس العقدي والفكري في المواجهة، فيما تولي ابنه الشهيد المؤسس حسين بدر الدين الحوثي، خلق أرضية المواجهة مع المتطرفين والمرتزقين وأصحاب السلطة، وذلك من خلال تنظيمات حزب الحق لمقاومة الوهابية وحركة الشباب المؤمن (1992) وحركة انصارالله (2012)...

وفي الفترة 2004 حتى 2009 خاضت الحركة ستة حروب في مواجهة السلطة التي كانت مندفعة من الخارج للقضاء عليهم، أستشهد في الاولي منها قائدها السيد حسين بدرالدين الحوثي وكانت السادسة عام 2009 أشدها ضراوة وعنفاً حيث لم يقتصر العدوان علي الجيش اليمني ومرتزقة آل الأحمر والسلفيين (الوهابيين)، بل تعداه الي دخول القوات السعودية براً وجواً في القتال، حتي قيل ان السعودية استعانت بقوات من باكستان والاردن بعد فشلها في مواجهة الحوثيين. حيث تكبد السعوديون أكثر من 82 قتيلاً وما يقرب 30 أسيراً وفقدوا العديد من عتادهم ومعداتهم الحربية ومناطقهم الحدودية في جبل الدخان وغيره، رغم استخدامهم أسلحة متطورة وأخرى محرمة دولياً كالفسفور الابيض والقنابل العنقودية.

كانت حروب السلطة ومن وراءها السعودية وباقرار جميع المراقبين والمحلليين تزيد من شعبية الحوثيين وتجعل العديد من القبائل (من خولان وبكيل وحتي حاشد) تلتحق بهم، لأسباب كثيرة، منها:

1. معارضة سياسة الحكومة في الارتماء بحضن الغرب وفتح البلاد امام التدخلات الغربية وخاصة الاميركية، في مرحلة تعتبر ذروة الهجوم الغربي على البلاد الاسلامية لمجرد المحافظة والبقاء في السلطة.

2. استياء غالبية الشعب اليمني من العنجهية والتدخلات السعودية السافرة وتأليب القبائل ضد بعضها بالمال وشراء الذمم.

3. دكتاتورية الرئيس علي عبد الله صالح وآل الأحمر للحد الذي وصل الصراع بين صالح وعلي محسن الأحمر على التوريث وانقسمت المؤسسة العسكرية الى جيشين كل منهما يمثل طرف في الصراع.

4. سوء الاحوال الاقتصادية وتفشي المحسوبية والمنسوبية واستئثار زعماء القبائل وبعض الشخصيات بمقدرات البلد وثرواته في مقابل أغلبية مصادرة حقوقها وطبقة متوسطة تتلاشى يوماً بعد آخر.

5. بحث الشباب اليمني عن هويته التاريخية الضائعة بسبب الهجمة السلفية الوهابية الممالية للسلطة والتي تعتبره "ولي الأمر" وتحرم الخروج عليه، هذه الهجمة السلفية الوهابية التي عمدت الى تدمير التراث المذهبي الزيدي والشافعي، خاصة خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.

6. وطنية وشمولية الطرح الذي تبناه الحوثيون، فلم تكن شعاراتهم وطروحاتهم مذهبية ولاقبلية ولامناطقية.. بل مشروع يخاطب جميع اليمنيين ويؤكد على القواسم والهموم المشتركة وفق دولة مدنية تبسط العدل وتلغي التفرقة.

7. ومما ساعد في هذا كله المكانة التي يتمتع بها الحوثيون دينياً واسرياً وقبلياً، فهم لب الزيود ومرجعيتهم الدينية لاغبار عليها، وهو ما يمكن رؤيته في مؤلفات العلامة السيد بدر الدين الحوثي في الرد على الوهابية والدفاع عن العقيدة الزيدية، وايضاً محاضرات الشهيد السيد حسين بدر الدين.

لم يمض الكثير على الحرب السادسة، حتى صار النظام على موعد مع ما عرف بثورات "الربيع العربي" التي وصلت رياحها الى اليمن.. فثار اليمنيون في مارس/آذار 2011 وفي مقدمتهم الحوثيون في وقت كانت القوى السلفية والمرتبطة بالسعودية تحرم الخروج على علي عبد الله صالح معتبرته ولياً للأمر!

لكن المؤامرة التي عرفت بـ"المبادرة الخليجية" بالتعاون مع زعماء حزب الاصلاح من آل الأحمر، التفت على الثورة ووأدتها، فزادت الأوضاع سوءاً عما كانت عليه قبل 2011..

فكانت الثورة الاخيرة بقيادة السيد عبد الملك الحوثي زعيم انصار الله، انتصاراً لكل الجماهير في اليمن من عدن الى صعدة ومن شرق حضرموت حتى سواحل البحر الأحمر..

ان انتصار ثورة الجماهير اليمنية بزعامة انصار الله ضد قوى الهيمنة والاستثمار والعمالة والاجندات الدولية والاقليمية، يبين في جانب آخر منه وضوح الرؤية عند قيادة الثورة  وزعماء الحركة وقدرتها في استيعاب الحالة اليمنية رغم تداخلاتها وتشابك العناصر المؤثرة فيها.. هذه الزعامة التي نشأت في خضم الصراع وصميم المواجهة، فلم يكن السيد عبد الملك سوى ابن عشر سنين عندما انطلقت الحركة على يد شقيقه الشهيد السيد حسين عام 1992، ولم يكن يتجاوز الرابعة والعشرين وهو ينهض بمسؤولية قيادة الحركة عام 2006 خلفاً للشهيد.

أجل، هذا الوضوح  في الرؤية والسلامة في الأداء والسيرة والصمود والثبات على الحق.. وهذه الملامسة للواقع واستشعار مطاليب الناس الحقيقية، الى جانب "ترابية" الكوادر والناشطين، هو الذي صنع النصر في اليمن، كما صنع منقبل اكثر من انتصار في جنوب لبنان على يد سيد المقاومة في "الشمال" السيد حسن نصر الله!

مبروك لشعب اليمن هذا القائد ومبروك لثورة اليمن انتصارها...

بقلم: علاء الرضائي


Script executed in 0.19624900817871