الساعة تجاوزت منتصف النهار. حشود مبعثرة تسير بين الأكواخ ذات القرميد الأحمر، في الشارع البيروتي المعروف باسم «بلس»، وهو اسم مستمد من مؤسس «الكلية السورية الإنجيلية» (الجامعة الأميركية حالياً)، القس دانيال بلس.
عائلات، بكبارها وصغارها، توافدت من صباح أمس إلى الشارع المُحاصر بأشجار جميلة، لمحاولة التعرف إلى المدينة أيام الستينيات والسبعينيات، في سياق مشروع نفذته 3 فتيات أَرَدْنَ محاكاةَ أيام تلك الحقبة في يوم واحد: «ترامواي» عند مدخل الشارع الذي خُصص للمارة، أكواخ تشبه بيوت بيروت قديماً، مسرح باسم «بيكاديللي» الشهير، سينما «ريفولي»، مقهى «هورس شو»، وصوَر من أرشيف الصحف تُظهر المدينة حين كانت فتيّة.
يبتسم أبو عمر. ابن الطريق الجديدة السبعيني كان يراقب الطفلة وهي ترسم عروسها بيروت. يدنو الرجل من طفلة ثانية منحنية، باهتمام تلميذة في مدرسة، فوق ورقتها المثبتة بقوائم خشبية. في الورقة شجرة باسقة تتدلى منها أغصان نحيلة. يقول أبو عمر للطفلة، بلكنة المدينة المحببة: «حلوة الشجرة». تستدير الطفلة وتوضح بخجل: «هيدي بيروت».
بدا شارع «بلس»، أمس، كأنه غصنٌ متفرّع من شجرة اسمها بيروت. من يعرف المدينة حين كانت شابة، تذكرها، ومن يجهلها، حاول التعرّف إليها. الفتيات الجميلات، اللبنانيون والأجانب، كبار وصغار، لم يكن همّهم الغصن النحيل، الشارع المعروف، إنما كانوا كما لو أنهم يحاولون العثور على ذكريات تعرّفهم إلى الشجرة قبل نموّها وذبولها، إلى بيروت.
يهتف شابٌ عشريني يحدّق في صوَر الأرشيف المرصوفة مقابل دكان «أبو ناجي» الشهير: «الحاج محمد الحلبي!». يخبر صديقته أن الحلبي كان بطلاً رياضياً. تجاور البطل صورة فتى يحمل سلّة قش كبيرة فوق ظهره. في وجهه، ملامح قسوة وقوة، وإلى جانبه يظهر «مقهى فيصل» الشهير، ذلك المكان الذي كان قبل الحرب الأهلية كأنه منتدى سياسي، وثقافي.
ترتفع أصوات موسيقى الجاز من المسرح. يزداد عدد الزوار شيئاً فشيئاً. يغدو الممر أشبه بطابور طويل. تحجب إحدى الغيوم وهج الشمس. تدخل فتاة سمراء ممشوقة كوخ الشاب بشارة عطالله، ثم تخرج منه بتسريحة شعر لافتة تستعيد أيام السبعينيات، ومرتدية فستاناً مزركشاً يذكّر بتلك الحقبة. تزم الفتاة شفتيها بدلع، تسند أحد مرفقيها إلى الكوخ، وتقول: «صوّرني».
قبل 18 عاماً، فتح بشارة خزانة ثياب والديه في الجبل. الألبسة هرّبها الأب أيام الحرب الأهلية من المدينة إلى الجبل. كانت الأم تريد التخلّص منها لأنها ذكرى من الحرب، لكن الفتى حينها رفض اقتراحها قائلاً: «أنا أريدها». يتذكر بشارة ذلك اليوم: «أول ما لفتني فيها هو ألوانها الغريبة، وجودتها، لأنها صُنع محلي. كنت أدرس التمثيل في الجامعة. وفكرت أنني ربما أحتاجها لاحقاً».
منذ ذلك اليوم، بدأ بشارة جمع الثياب القديمة في صيدا وصور وبيروت، وكل مكان استطاع إليه سبيلاً. لم يكن الحافز الأساس الاستفادة منها في المسرح، بل تسلل إلى الفتى شعورٌ محبب، يناقض هاجس الأم: «ماضي بيروت ليس محصوراً بالحرب. مدينتي، حبيبتي، لها تاريخ جميل، أتعرّف إلى جانب منه عبر هذه الثياب القديمة، المتحررة».
يستقل العمّ طانيوس «الترامواي» لينتقل من خلاله، سيراً على القدمين، إلى شارع «بلس». يعتمر العمّ طربوشاً، ويرتدي بدلة كاكية اللون. يمشي متكئاً على عكاز خشبي. يتوقف قليلاً في الترامواي. يراقب سيدة أربعينية تشير بإحدى يديها إلى صورة قطار مثبتة في الترامواي، وتقول لابنها: «هكذا كانت بيروت لبنان».
يُعجب طانيوس بعبارة الأم، مردداً: «بيروت لبنان، بيروت لبنان. كأن المدينة أنثى، طفلة لبلد اسمه لبنان». تتدخل زوجة العمّ. تقول: «أيام زمان كانت بيروت أجمل، في كل شيء. كانت الفتاة ترتدي تنورة قصيرة، وتعود ليلاً إلى منزل أهلها من دون أن يكلمها أحد في الطريق. وكنا نستقبل ضيوف الريف في منازلنا».
يقاطعها طانيوس بهدوء، مجتازاً نقاش التنانير القصيرة، عائداً بذاكرته إلى جانب آخر من حياة المدينة: «كان راتبي في أواسط الستينيات نحو 75 ليرة. كنت أدخر خمسين ليرة وأنفق 25 على كل ما أريد. اليوم تبدلت الأحوال. بالكاد نستطيع تأمين لقمة عيشنا. وأيام زمان لم نكن نعرف المسيحي من المسلم. لا نفكر في الموضوع. كنا كلنا أبناء بلد واحد. لا نفكر بديانة أحدنا ونجعلها سبباً للابتعاد عن بعضنا».
تبتعد شمس أيلول. ترتاح زخات المطر. فتيات وعائلات وشبان يشاهدون إعلانات ومقاطع من مسلسلات «الزمن الجميل». تتناهى من المسرح أغنية لفيروز: «بيروت، أنتِ لي. عانقيني. رايتي وحجر الغدِ». رسامون يتذكرون بيروت، يجلسون على الرصيف ويلوّنون. يُسمع، من أحد الأكواخ الصغيرة، صوت داليدا مدندناً: «كلمة حلوة وكلمتين: حلوة يا بلدي».
بدت بيروت، أمس، كأنها طفلة خجولة، عنيدة، قوية، مغمورة ومشهورة، جميلة بأهلها وناسها، بماضيها وحاضرها، بينما والد الطفلة، لبنان، يشبه العمّ طانيوس الودود: حائرٌ، ظهره محدودب من حمل الهموم، يحنّ إلى ماضيه يوم كان حُراً، بريئاً من دنس زعماء طوائف اليوم وأحزابها، أمراء حروب الأمس.