وتبدو الأرقام والتقديرات «قاسية»، خصوصاً أن ثمة مناطق في عاليه والمتن الأعلى يمثل قطاع الزيتون فيها عصب الزراعة الرئيس، وتحديداً منطقة «وادي شارون»، التي تضم معظم قرى وبلدات الجرد الأعلى من بحمدون إلى صوفر وعين دارة وصولاً إلى تخوم قضاء الشوف، فضلا عن الشحار الغربي والمناطق الوسطى في قضاء عاليه وقرى وبلدات المتن الأعلى، الممتدة من عاريا الى بعلشميه مروراً بشويت والعبادية والهلالية.
«لا يوجد زيتون هذه السنة»، يقول رئيس «جمعية شارون التعاونية الزراعية العامة» أحمد الصايغ، متوقعاً أن «لا يتعدى الإنتاج الـ5 في المئة، مقارنة مع مواسم متوسطة الإنتاج». ويؤكد أن «هذه النسبة القليلة من الزيتون لن تكون صالحة للتسويق، لصغر حجم الثمار وما لحق بها من أضرار ناجمة عن الأمراض»، مضيفاً: «من خمسين عاماً لم نشهد واقعاً مماثلا، وليس محصوراً بالزيتون فحسب، وإنما لجهة الأشجار المثمرة باختلافها».
ويعزو الصايغ الأمر إلى احتباس المطر من آواخر شباط الماضي، وارتفاع درجات الحرارة في الربيع والصيف، ما أدى إلى تساقط الأزهار، وما بقي من ثمار تعرض للحرارة الشديدة وتساقط بعدما تغضنت القشرة الخارجية، وفقدت الثمار القدرة على مواجهة الأمراض وأهمها «عين الطاووس». ويشير إلى أن «الأدوية الزراعية لم تنفع في مكافحة الأمراض، إما لعدم صلاحيتها وتعرضها للغش، أو لأن الآفات الزراعية اصبح لديها مناعة على الادوية، وإن كنا نرجح السبب الأول».
ويقدّر أن «إنتاج الزيت في وادي شارون لن يتجاوز كحد أقصى الـ 50 تنكة، فيما كان متوسط الإنتاج 800 تنكة سنوياً»، موضحاً «اننا (الجمعية) التقينا وزير الزراعة النائب أكرم شهيب، وأبدى اهتماماً بما نواجه من مشكلات تطاول سائر القطاعات الزراعية». ويلفت الصايغ إلى أن «التعاونية لا يمكن أن تقوم بأي عمل، فهي مكونة من مزارعين يواجهون الكارثة نفسها».
وتقول الخبيرة في مجال المحاصيل الزراعية الدكتورة ديانا مروش أبي سعيد، إن «الطقس له علاقة كبيرة في ما يشهده قطاع الزيتون، من آفات وأضرار وتراجع في الإنتاج»، مؤكدة أن «التغير المناخي يعتبر سبباً رئيسياً لا يمكن إغفاله». وتوصي بعدم «رش المبيدات بشكل عشوائي، وضرورة رش الأشجار لمدة شهر قبل موسم القطاف، واعتماد مصائد الحشرات بدلا من رش الأدوية لمكافحتها». أما عن اصفرار الأوراق وتساقطها، فتوضح أن «هناك ضرورة لجمعها وإحراقها لأنها ربما تكون مصابة بآفة يمكن أن تنتقل إلى الأشجار كلها، لأنها قد تكون حاملة لبيوض حشرات وآفات»، مشددة على «ضرورة رش ادوية بيولوجية فيها مواد حيوية بدلاً من المبيدات السامة».
وفي بلدة الغابون (قضاء عاليه)، يقول المزارع عارف عامر إن «خمس أشجار فقط تحمل ثماراً قليلة من أصل 35 شجرة»، شاكياً من «اصفرار الأوراق التي لم نشهد مثلها من قبل». يضيف: «لم نخسر الموسم فحسب، وإنما خسرنا ثمن الأدوية التي لم تجدِ نفعاً في القضاء على الأمراض، إذ استمر تساقط الثمار قبل النضوج. وكنا ننتج، فضلاً عن الزيتون، 20 تنكة زيت، لكن هذه السنة لن ننتج أكثر من تنكة واحدة، لذلك لن نتكبد عناء الذهاب الى المعصرة».
ولا يختلف الواقع في بلدة البيري المجاورة، إذ يقول المزارع ايلي الهبر إن «المشكلة ستكون لها تبعات كبيرة علينا كمزارعين، لأننا خسرنا مورد رزقنا الأساس»، مطالباً «الجهات المعنية في الدولة بأن تنتدب خبراء لتقدير الأضرار ودفع تعويضات تساعدنا على النهوض مجدداً، كي لا نشرّع أبواب الهجرة اكثر أمام أبنائنا».