ليأتيني الاستغراب من الجهة المصرية "بأن الذكرى هذه السنة هي الذكرى الستين للاستقلال!". طبعا لا. فقد احتفلنا بالذكرى الستين قبل سنوات. إذن فقد أخطأت في التاريخ. لكنني بالطبع لن أعترف أمام "الغريب" أنني نسيت تاريخ استقلالنا لاسيما وأن البعض هناك، يعتقد أن الاستقلال حدث قبل شهور قليلة ومازال قضية "طازجة". كان إذا عيد "الاستقلال والتحرير" (من السوريين طبعا) في مقابل "عيد المقاومة والتحرير".
في المساء كانت التلفزيونات اللبنانية تتحدث عن الذكرى الثانية والستين للاستقلال. وددت لو أن سائلي استفسر عن عيد آخر لكنت أجبت "25 مايو (أيار) 2000".
أعترف أنني في خضم متابعة البحث عن "الحقيقة" نسيت تاريخ الاستقلال. ورميت الحق على الجغرافيا كما أصبحت عادتي منذ أصبحت الجغرافيا قدري. تنبهت إلى أنني كنت في البداية أتذكر أيام الأعياد التي يحتفل بها في لبنان لكنني شيئا فشيئا ما عدت معنية بها بل أسير في سياق زمني مختلف لا تشكل هذه الأعياد أي محطات فيه.
لم أحزن ولم أشعر بالغربة. عادي.
عادي أصبحت الكلمة التي أستعملها أكثر من غيرها في التعبير عما يحصل حولي. ربما هي محاولة للتآلف مع المحيط الجديد وقبوله كما هو من دون نقد. عادي. أن يتوقف السير على الكوبري عند الثالثة صباحا بسبب سيارة معطلة. عادي أن يتأخر فلان أو علتان عن موعده ساعة. عادي أن تكون منتظرا دورك في "الطابور" فيأتي من يتخطاك من دون أن يشعر أصلا أنه قام بأي شيء غريب. عادي. أن ترى سيوفا وعصي وسكاكين يوم الانتخابات. لماذا نتفاجأ نحن اللبنانيين؟ عادي. ألم نشاهد السيوف في أيد لبنانية قررت أن تتصدى لمظاهرة طلابية يوما؟ أعتقد أن كلمة "عادي" هي "كلمة السر" للقرن الحادي والعشرين. أن ترى فيلا يطير فتحاول فقط أن تعرف إن كان أفريقيا أم هنديا أما الباقي فعادي جدا.
يقولون هنا أن "الإخوان آتون" ويدب الذعر في بعض القلوب. ذعر من أن "البعبع" الذي طالما بقي خفيا بدأت ملامحه تتكون. عادي. هذا هو الطبيعي وهذه هي الديموقراطية. أعتقد أن كثيرين من "الديموقراطيين" في مصر اكتشفوا أنهم "ليسوا ديموقراطيين" في العمق. اكتشف فجأة أنني ربما لست ديموقراطية كما أدعي. ليس على الإخوان فقط بل على الاتجاه المعاكس أيضا. أعتقد أن تعريف الديموقراطية اليوم هو أن تقبل بسيطرة التيارات الدينية والأميركيين على الشارع العربي وأن ترى ذلك عاديا.