لم تنفع الصرخات المتكررة التي أطلقها عدد من رؤساء البلديات والمهتمين بالشأن البيئي في عكار، في تحرك المعنيين لوضع حد للتعديات المستمرة على غابات عكار وأشجارها المعمرة والنادرة. الاعتداءات اليومية لا تستثني أي منطقة، وإن كانت تتركز في منطقة جرد القيطع، وتحديداً في القموعة، وغابة العذر، وجوزة الدارة وعين الفروج، ووادي البلاط.
وقد بات واضحا أن موضوع التعديات وإيقافها بحاجة إلى الضرب بيد من حديد للحفاظ على الثروة الطبيعية التي تتميز بها عكار، وبحاجة قبل كل شيء إلى التفاتة جدية من قبل وزارتي الزراعة والبيئة، حيث يتبين أن غابات عكار غير مدرجة ضمن اهتماماتهما.
غابة القموعة فريدة من نوعها في منطقة المتوسط، وتضم أشجارا يصل عمر بعضها إلى نحو ألفي سنة، إضافة إلى أشجار الشوح والعرعر النادرة، التي يصل ارتفاعها الى نحو 30 متراً، ومحيط بعضها إلى ستة أمتار. ذلك إلى جانب أشجار الشوح الكيليكي. وغابة العذر تضم نحو أربعة آلاف شجرة سنديان من فصيلة (إيرون أواك) وهي أشجار عملاقة ومستقيمة وكثيفة، وتضم أنواعاً لا تحصى من النباتات البرية الهامة التي تضفي سحرا مميزا على المنطقة.
ويتحدث المراقبون في بلدية فنيدق عن حجم التعديات التي تطال غابات المنطقة، مؤكدين «أن من يقومون بأعمال القطع معروفون وبالأسماء، حيث بلجأون في ساعات المساء الى قطع الأشجار المعمرة بهدف بيعها والمتاجرة بها». ويقولون: «قمنا بإبلاغ وزارة الزراعة ومأموري الأحراج أكثر من مرة من دون جدوى». ويشير أحد الناشطين البيئيين في فنيدق إلى «أن جولة بسيطة على غابات المنطقة تظهر حجم الاعتداءات الظاهرة للعيان بالقرب من الطريق، أما داخل الغابات فهناك كوارث بكل ما للمعنى من كلمة، إذ ان أصغر شجرة يصل ارتفاعها إلى 30 مترا، وعمرها يزيد على مئة سنة، وهي مقطوعة وموضوعة فوق بعضها البعض».
ويؤكد أحد المتابعين في منطقة القيطع «أن ما يجري هو بسبب الفوضى القائمة لجهة عدم التمكن من ردع المعتدين المحسوبين على جهات عائلية وسياسية معروفة، وهو ما جعل الأمور فلتانة».
ويتحدث رئيس اتحاد بلديات جرد القيطع عبد الاله زكريا عن «تنسيق بشكل تام مع مركز الأحراج في المنطقة، حيث قمنا بوضع عدد من المراقبين لابلاغنا بالاعتداءات، كما نقوم بالتنسيق مع القوى الأمنية وقائد اللواء الثاني بهدف تعزيز مركز مراقبة الأحراج في بلدة ممنع والقموعة».
ويؤكد زكريا «أن الحلول بيد الدولة قبل كل شيء، ويمكن للمنظمات التي تقدم مشاريع لوزارة الزراعة بقيمة ملايين الدولارات منها اطلاق مشروع 40 مليون شجرة مع منظمة الفاو، بقيمة تفوق 240 مليون دولار، أن يخصص أقله نسبة 10 في المئة للمحافظة على الأشجار الموجودة، نكون حققنا انجازا هاما، لأن الأشجار المعمرة الموجودة بحال اندثرت فاننا بحاجة الى مئات السنين لاعادة زراعتها».
ويضيف: «ان الموضوع متشعب ويجب على الدولة دعم المازوت لتمكين أهالي الجرود من الحصول على التدفئة من دون الاعتداء على الغابات».
ووجه زكريا نداء الى أهالي بلدة فنيدق أكد فيه «أن إرثنا، وتاريخنا، وشهرة بلدتنا، لم تصل الى ما هي عليه بسبب مصانعنا ومعاملنا ومطارنا ومرفئنا وأوتوستراداتنا، بل بسبب ثروتنا الحرجية لما تحويه من أشجار معمرة».
وتابع: «إن ما تتعرض له غابات القموعة من قطع على أيدينا هو جريمة بشعة وعلينا أن نعمل بشكل شخصي لنكون رادعا، لأن البلدية ومركز الأحراج والقوى الأمنية لن تستطيع فعل شيء من دون وعينا لما يجري».
ويؤكد رئيس مجلس البيئة في عكار الدكتور أنطوان ضاهر «أن ما نشهده هو عملية استهداف مركزة لغابات المنطقة في حين أن القوى الأمنية والجهات المعنية غائبة كليا عن السمع، والمعتدين يستغلون الأوضاع الأمنية المضطربة التي يشهدها لبنان للقيام باعتداءاتهم، كما أن غياب العقاب السريع بسبب غياب المحاكم البيئية التي من شأنها البت فورا بالتعديات وإحالة أصحابها الى المحاكم، يشجع على المزيد من الاعتداءات».
ويشدد الضاهر على «أهمية حل النزاع العقاري بين بلدتي فنيدق وعكار العتيقة حول منطقة القموعة، وإعلانها محمية طبيعية تخصص لها مبالغ مالية لأننا سنويا نفقد الكثير من مكوناتها ونباتتها النادرة «.