"ما بطلع سرفيس"، عبارةٌ استوقفت صديقتي خلال تنقلنا من رصيف إلى آخر في شارع الحمرا. رفضَت أن نُكمل مشوارنا قبل أن أبرّر لها سبب قراري. قصتي مع شوفير السرفيس مشابهة لقصة كلّ من يملك سيارة في بيروت. تعلمت القيادة منذ أن بلغت الثامنة عشرة من عمري.
وخلال السنوات الست الأخيرة، امتلكت سيارتين، سيارتي المستعملة الأولى، والثانية التي ما زال تسديد ثمنها مستمراً بالتقسيط كما هي حال كل شيء آخر في لبنان. خلال السنوات الست الماضية، حادثة السير الوحيدة التي تعرضت لها كانت خلال ركني لسيارة والدي عام 2009، إذ عمدت إلى اقتلاع جزء من خلفية سيارة ابن جيراننا. لم أبرع يومها بركن سيارة الجيب الكبيرة وقرّرت تحدي نفسي، فأحرجت نفسي بالتأكيد. أستطيع القول بأنني أكاد أشعر بالفخر بحادثة الركن تلك، أي أنني فتاة صامدة في خضم فوضى بيروت وسياراتها. شوفير السرفيس في بيروت يظهر أمام سيارتك من حيث لا تدري لاصطياد الزبون، قد تنجح في الابتعاد عنه من دون الاصطدام بسيارة أخرى، إن كنت محظوظاً.
شوفيرية السرفيس في سباق مستمر للحصول على الزبائن، ما يجعلني أتوتر من مباغتتهم لنا على الطرقات من دون حسيب أو رقيب. يصيحون علينا نحن النساء خلال قيادتنا، ينفرون من توقّف سائق آخر على الإشارة الحمراء. لكنني ما ألبث أن أتراجع عن فكرتي البرجوازية تلك، لأبرّر للسائق الحزين سبب سرعته وتوتره المستمر. لقمة عيشه الوحيدة تبقى رهناً بزبون يتكئ على الرصيف بانتظار سيارة أجرة.
"
شوفيرية السرفيس في سباق مستمر للحصول على الزبائن
"
قد يكون شوفير السرفيس عصبياً، قد يبصق من شباكه باستمرار أو يلوّح بمسبحته بدلاً من استعماله للإشارة، قد يطردك من سيارته أو يطالب بمزيد من المال، لكنّه مُكافح. يُكافح الظروف تماماً مثلنا. يحارب، لكن على طريقته الخاصة. قد أكون ممتنة لاقتنائي سيارة أو لقدرتي الجيدة على القيادة، ولكنني أندم أحياناً لأنني لطالما تسرّعتُ بحكمي على شوفير السرفيس، في حين انفرد أصدقائي برواية مغامراتهم وأخبارهم التي حصدوها من خلال تنقلهم في شوارع بيروت مع الشوفير العصبيّ المتأفف.
لونا صفوان -العربي الجديد