أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

العمل في بيروت والبيت في الضيعة.. كابوس يومي

السبت 03 كانون الثاني , 2015 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 11,242 زائر

العمل في بيروت والبيت في الضيعة.. كابوس يومي

فراس خليفة- السفير 

يوماً بعد آخر "تختنق" المدينة أكثر فأكثر بزحمة العمارات والسيارات والناس. حوَّل نظام "المركز" بيروت إلى عاصمة استثنائية تؤدي كلّ الأدوار دفعة واحدة. وكان لا بدّ مع الوقت أن تنمو على أطرافها ضواحٍ صارت هي الأخرى - أو تكاد - مدناً كبرى قائمة بذاتها.

ضاقت المساحات في بيروت وارتفعت كلفة الحياة فيها. مازالت العاصمة المكان الأكثر جاذبية للعمل، ولكنها لم تعد، بنظر كثيرين، مكاناً يطيب العيش فيه.

هذه قصص من يوميات مواطنين من أربع جهات الوطن يتجهون يومياً للعمل في بيروت والمناطق القريبة منها، ويعودون في المساء إلى قراهم وبلداتهم لاقتسام رغيف الخبز مع عائلاتهم.

يُغالب حسام خ. النَّعس في طريق عودته من مكان عمله بعد ليلة مُضنية في مركز القلب الطبّي التابع لمستشفى "الرّسول الأعظم" على طريق المطار القديم. خلال ساعة وعشر دقائق كحدّ أقصى سيصل حسام إلى منزله في الخرايب (قضاء الزهراني) بعد اثنتي عشرة ساعة من العمل المتواصل في قسم العناية الفائقة. غيّر الزواج في مسار مشواره اليومي بين العمل والسّكن (70 كلم)، لكنّه لم يبدّل في "روتين" أيامه ولياليه في مهنة التمريض التي بدأ العمل فيها قبل 5 سنوات.

يقول حسام: "بالنسبة للعاملين في قطاع الاستشفاء تمثّل بيروت الكبرى نقطة الجذب الرئيسية، فيما تفتقر مدن الجنوب إلى العدد المطلوب من المستشفيات، إضافة إلى نوعية الخدمات الاستشفائية. ما ينعكس على رواتب الموظفين". ويلخّص حسام دوافع السكن والعمل بالقول: "المعاش في بيروت أكبر، البيت في الجنوب ملك خاص حيث أوفّر بدل الإيجار الشهري ومصاريف أخرى كثيرة".

منذ أربعة عشر عاماً يسلك محمد ش. (54 عاماً) الطريق ذاتها بين كفر رمان (النبطية) وشارع جبل العرب (وطى المصيطبة)، حيث يعمل في غرفة الأخبار في إذاعة "صوت الشعب". يومياً يستفيق الرجل باكراً قاصداً بيته الآخر الذي لم يفارقه منذ انطلاقة الإذاعة قبل 27 عاماً. يركب "الميني باص" مستغرقاً ساعة و10 دقائق بأجرة يومية تبلغ عشرة آلاف ليرة ذهاباً وإياباً.

لـ "أبو حسن" وأسرته المكوّنة من 8 أفراد، تجربة سابقة في سَكَن العاصمة، ولكن "كلفة الحياة هنا أغلى، وفي الضيعة كل شيء صار متوفراً. وكفر رمان تحوّلت إلى سوق تجارية كبيرة بجانب النبطية القريبة أيضاً". فالحياة في كفر رمان بالنسبة إلى محمد "أشرح"، وهو لا يفكر في العودة مجدّداً إلى ما يسميّه "جحيم بيروت".

انتماء

ليست الإقامة في بيروت قدراً لداني ش. الموظّف في إحدى الوزارات في العاصمة. بالنسبة إلى الرجل الأربعيني، فإن تركه مكان سكنه السابق في كفرشيما والانتقال إلى عبرا ومن ثم إلى الميّة ومية (صيدا) مسألة تتجاوز الدافع الاقتصادي ـ على أهميته - لتتّصل بنظرته إلى فكرة العودة إلى المنطقة العزيزة على قلبه: "أنا ابن تلك المنطقة وسأعلّم أولادي كيفية الانتماء إليها".

منذ ثلاث سنوات ينتقل داني وزوجته يومياً من بيته إلى بيروت، حيث يعملان سوياً في المكان ذاته. ولا يشكّل مصروف البنزين عبئاً كبيراً عليهما، لكنه يسأل في المقابل: "لماذا لا تولي الدولة اهتماماً أكبر لتطوير قطاع النقل العام المشترك بغية تسهيل عملية الانتقال بين الأطراف البعيدة والعاصمة وتشجيعها؟". وبين "المية ومية" وبيروت ثمة فارق مهم بنظر الموظّف الحكومي المتمرّس: "توفير أكثر ونوعية أفضل، خصوصاً في الغذاء والماء".

الفقر

بين بعلبك وبيروت مسافة طويلة (86 كلم) لم تمنع أحمد ف. من التوجّه يومياً إلى العمل في "الداون تاون" لإعالة أسرته المكوّنة من أب وأم وأربعة أولاد، أبصر آخرهم النور قبل أشهر قليلة.

أحمد الموظف في أحد المخازن الكبرى في "أسواق بيروت" يبدو "مرتاحاً" في العمل: "معاشي جيّد ولدي ضمان وبدل نقل وحبّة مسك".

أحمد ابن عرسال والمقيم في بعلبك اعتاد "رحلة الشتاء والصيف" بين البقاع ووسط العاصمة: "تتعبني مسافة الطريق لكنّ طبيعة العمل مريحة جداً. لا ضغط ولا إرهاق هنا، إضافة إلى دوامي اليومي (من 11 قبل الظهر حتى السادسة مساءً) الذي يتيح لي متابعة شؤون الأسرة خارج أوقات الدوام". أما عن سكنه والعائلة "فوق"، فيقول: "سجّلتُ الأولاد في واحدة من أفضل مدارس بعلبك. هناك يلعبون ويلهون ساعة يشاؤون في جنينة البيت. أما في بيروت فما تبّقى من المساحات الخضراء صار حكراً على فئات محددة".

من داخل المتجر الذي يعمل فيه يشير أحمد إلى عدد من رجال الأمن في الخارج (التابعين لإحدى الشركات الأمنية الخاصة)، لافتاً إلى أن نسبة كبيرة منهم قدمت من الأرياف البعيدة، ولا سيما من منطقة عكار حيث لا وجود لفرص العمل هناك. هؤلاء أيضاً يتكبّدون مشقّة الانتقال اليومي بين أكثر مناطق لبنان فقراً على الإطلاق وبين "الوسط التجاري" حيث أكثر المناطق غلاءً.

لا تأفف

تتذكّر حليمة ط. الشابة البيروتية كيف أنّ مدينة عاليه كانت في ما مضى محلّ إقامة صيفية للعائلة لتتحوّل بعد ذلك إلى مركز إقامة دائم بفعل الظروف الاقتصادية لوالدها المتوفّى منذ سنة. "بيني وبين بيروت حالة عشق دائم. أُحبّ المدينة بكل ما فيها حتّى زحمة السير في شوارعها نهاراً".

تضيف حليمة: "أما عاليه فهي بالنسبة لي ليست سوى مكان للنوم بعد يوم بيروتيّ طويل». الشابة التي تعمل وتتابع دراساتها الجامعية في الوقت ذاته، لا مشكلة لديها في اعتماد الباص رقم 15 في تنقلاتها اليومية من بيروت وإليها. لا تتأفّف ولا تتذمّر، بل تبدو متكيفة مع وسيلة النقل العام التي ترى أنه لا غنى عنها بهدف التوفير المادي قبل أي شيء آخر. وإذ تُبدي رغبة صريحة في العودة إلى "حالتها القديمة" للسكن في بيروت متى توفّر لها الظرف المناسب، تعدّد محاسن العيش في "عروس المصايف": "الطبيعة الجبلية والهواء النظيف وخدمات الماء والكهرباء الأقل كلفة من بيروت".

من "حي الطمليس" (الطريق الجديدة) إلى "المختارة" (الشوف) انتقل فراس ق. مؤخّراً ليستقرّ هناك في منزله الذي شيّده بالقرب من "بيت العيلة". وفراس الذي لم يلتقِ بعد "شريكة حياته" المستقبلية اتّخذ قراره بالإقامة في "الجبل" لسببين رئيسين: الأول هو ارتفاع بدل ايجار الشقة التي كان يقطنها وحيداً (600 دولار بدلاً من 400 دولار) حيث يعزو "ابن المختارة" السبب لارتفاع الطلب على الشقق المفروشة من جانب اللاجئين السوريين. أما العامل الآخر فهو "نفسي" ويراعي فيه هواجس الأهل التي زادت بعد التوترات الأمنية في الفترة الماضية.

إضافة إلى المشوار اليومي بين الجبل وبيروت يمضي فراس ساعات طويلة في قيادة سيارته متنقلاً بين زبون وآخر بحكم طبيعة عمله مديراً للمبيعات في شركة للمنتجات الغذائية، ما يسبّب له إرهاقاً جسدياً مضاعفاً.

يعترف فراس أن لا وجود لوسائل ترفيه في المختارة كتلك الموجودة في بيروت، ولكنه يؤكد أيضاً أهمية مسألة التوفير الاقتصادي بالنسبة إليه في هذه المرحلة. يقول فراس مع ابتسامة ملؤها الرّضا: "أكلات إمّي بتسوى كل أكل المطاعم والوجبات السريعة".

مرهق.. ولكن

المشوار اليومي من بلدة مراح شديد (البترون) إلى بيروت، والعكس، مرهق جسدياً ليارا ش. (37 عاماً)، ولكنّ الإقامة مع عائلتها في الضيعة تبقى أفضل من خيار مشاركة السّكن في شقّة مع إحدى صديقاتها في العاصمة. تقول يارا التي تعمل في أحد المراكز الصحية: "لا قدرة لي على دفع بدل إيجار شقّة بمفردي، بينما في الضيعة أتحرّر من عبء المصروف المنهك على كل الصعد باستثناء مصروف السيارة التي أستبدلها بين الفينة والأخرى بالفان، خصوصاً في أيام الصيف الطويلة".

"رحلة" رولا هـ. (34 عاماً) اليومية من جونية (كسروان) إلى سن الفيل (شرق بيروت) لا تُقاس بالمسافة غير البعيدة نسبياً، بل بـ "القدرة على ضبط الأعصاب نتيجة زحمة السير الخانقة" على الطريق التي تشهد مرور أكبر عدد من السيارات يومياً (200 ألف).

ورولا الخبيرة في عالم الكتب وتنظيم المعارض خارج لبنان تفضّل لو أن "الإمكانيات" تسمح لها بالسكن في مكان أقرب لعملها الذي تُحب، ولكنها لا تمانع العمل في "فرصة مناسبة وقريبة من بيتي الحالي في جونية، فأوفّر بذلك مصروف البنزين وأزيد في عدد ساعات النوم صباحاً". أما سوى ذلك، تضيف رولا، "فلا فارق ملحوظاً في كلفة المعيشة بين بيروت وجونية التي تتجاوز أسعار بعض السلع فيها تلك التي في العاصمة، ما يضطرني أحياناً إلى قصد أسواق فرن الشباك مثلاً حيث أشتري بعض الحاجات بأسعار أكثر توفيراً".

ما يسري على رولا لناحية العمل والسكن ينطبق على طوني ج. الأستاذ الجامعي الذي يقطع يومياً مسافة 84 كلم ذهاباً وإياباً بين سكنه في مدينة جبيل ومكان عمله في كلية التربية (الجامعة اللبنانية) في بيروت.

يقر طوني: "فكّرتُ مراراً في الانتقال إلى بيروت ولكن في كلّ مرة كنت أتراجع عن الفكرة بمجرّد إجراء عملية حسابية لمصاريف السّكن والحياة".

يضيف: "لستُ مرتاحاً إلى هذا النمط اليومي الذي أشعر بأنه يستنزفني"، ولكن ثمة أمرا مهما يستحق التضحية: العائلة.

Script executed in 0.039690971374512