أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

«دراسة الفقر»: من راقب التقارير مات هماً!

الثلاثاء 13 كانون الثاني , 2015 09:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,317 زائر

«دراسة الفقر»: من راقب التقارير مات هماً!

لا مكان للمعالجات الجزئية، ولا حل إلا بخطة شاملة للتنمية لمعالجة مسألة «الفقر في مدينة طرابلس»، يقول المستشار الإقليمي للإسكوا أديب نعمة، المعد الرئيسي لتقرير يحمل العنوان المذكور، أطلقته الإسكوا والمعهد العربي لإنماء المدن نهاية الأسبوع الماضي. وفي ندوة عقدتها الإسكوا في مقرها يوم أمس لمناقشة هذا التقرير، قال نعمة لـ»الاخبار» إنه، اي التقرير، يرمي أساساً إلى «تطوير منهجية قياس الفقر»، وإن ذلك تطلّب جهود عمل جماعي استمر 4 سنوات، مميزاً بين مجرد قياس الفقر بهدف استطلاع كيفية اتخاذ إجراءات تسمح «بإمرار سياسات التكييف الهيكلي» مثلاً، وتحليل المعطيات الناتجة عن القياس لـ«دراسة» الفقر من أجل «إيقاف آلية الإفقار الذي لا يهبط من السماء بمظلة، بل تنتجه (بنية وآليات) المجتمع والاقتصاد».

 

يغرق التقرير في «دراسة الفقر» على نمط أدبيات «التنمية» التي اعتمدتها الأمم المتحدة بعد عام 2000، لكنه يخرج عن هذا السياق إذ يربط رفع مستوى معيشة الأسر بـ»تحسين وضعها الاقتصادي ودخلها والأصول التي تملكها على نحو محسوس ومستدام... و(بـ)بلورة استراتيجية وطنية للتنمية المناطقية المتكاملة... و(بـ)التخصيص الصحيح للموازنة العامة والموازنات القطاعية»؛ ويقدم التقرير سلسلة توصيات للحكومات المحلية (البلديات) وللحكومة المركزية على السواء، ترتبط جميعها بسياسة تنموية عامة مطلوبة.

يمثل «خطاب التنمية» لمؤسسات الأمم المتحدة ما بعد عام 2000 «قطعاً» مع الخطاب الذي ساد حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، والذي «كان معنياً بثروات الأمم... (و)ببِنى وديناميات الاقتصادات القومية»، ليتحول الاهتمام إلى «الفقر المطلق للأفراد»، بحسب «أجندة الأمم المتحدة للتنمية لما بعد عام 2015» التي توضح أن الخطاب «التنموي» الحالي «لا صلة له، ولا يقدم أي اقتراحات للسياسات الطويلة المدى للتنمية الاقتصادية»! لا علاقة للخطاب الحالي بـ»طموح الدول الفقيرة للتنمية السريعة خلال عقود الأمم المتحدة للتنمية من الستينيات إلى التسعينيات من القرن الماضي، التي كانت تستهدف تضييق الهوة في مستوى المعيشة مع الدول الصناعية»، بل «على العكس من ذلك، يشدد إطار أهداف الألفية للتنمية على تقليص الفقر و(على) التنمية البشرية»، تقول الأجندة على نحو صريح! وبغض النظر عن توصيات التقرير المذكور التي تقع خارج سياق المنحى الذي اتخذته أدبيات الأمم المتحدة في الألفية الجديدة، فإن بعض نتائج الإحصاءات في التقرير تحيلنا مباشرة على أدبيات التنمية «القديمة».

ما أُنجز في سنوات العمل الأربع هو مجرد 50% من الجهد المطلوب لدراسة الفقر في طرابلس، فكيف بالأحرى في الخرطوم التي فيها 7 بلديات مختلفة، أو في لبنان أو الإقليم،

 

التشغيل والدخل

هما المحددان

الرئيسان للفقر

يسأل نعمة الذي يرى أنه كان ينبغي أن يستفيد التقرير أيضاً من الدراسات التاريخية والأنثروبولوجية! لكن هل من مسوغ منطقي للاستغراق طويلاً بـ»دراسة الفقر»، وتكبد الأكلاف المترتبة على ذلك، بدلاً من تخصيص الوقت والجهد والكلفة التي تتطلبها هذه الدراسات لبحث كيفية خلق فرص عمل منتجة تؤمن المداخيل للأسر «المحرومة» في طرابلس (وغيرها من المدن والبلدات)، حيث «الحرمان الاقتصادي أكثر انتشاراً وحدّة من الحرمان في الميادين الأخرى (سكن، صحة، تعليم، إلخ...)، وهي المساهم الرئيس في رفع نسبة الحرمان العام في المدينة»، بحسب التقرير الذي يشير إلى أن 77% من الأسر الطرابلسية تعاني «الحرمان في ميدان الاقتصاد»، أي إن الأسرة تفتقر إلى اثنين من ثلاثة معايير هي امتلاك حساب مصرفي وامتلاك سيارة وزيارة المطاعم والمقاهي مرة على الأقل خلال ستة أشهر؛ فيما تعاني 35% من العائلات الحرمان في ميدان الصحة، و35% أيضاً في السكن، و25% في التعليم. الحساب المصرفي يؤشر إلى العمل في القطاع النظامي الرسمي أو الخاص، والمعايير الثلاثة المذكورة في ميدان «الاقتصاد» تؤشر إلى مستوى الدخل الذي يصعب الحصول على إجابات دقيقة حوله بالسؤال المباشر، يقول نعمة، ما يعيدنا إلى المربع الأول: التشغيل والدخل هما المحددان الرئيسان للفقر، مع الإشارة إلى اعتبار الخدمات العامة (سكن وصحة ونقل وتعليم) جزءاً من الدخل، الأمر الذي يحيلنا على أدبيات التنمية «القديمة» في عرف الأمم المتحدة، والتي تركز على السياسات التنموية التقليدية طويلة المدى.

«إن مسار التهميش الذي تعانيه (طرابلس) بدأ تهميشاً سياسياً... فتهميشا اقتصاديا وتهميشا اجتماعيا»، يقول التقرير، مشيراً إلى أن السياسة «يجب أن تكون أيضاً نقطة البداية في أي علاج مستدام لمشكلة الفقر والتهميش في المدينة»، وجازماً بأن «المزيج المتفجر من الفقر والكثافة السكانية والإحساس بالتهميش والقهر (في طرابلس)... لا تمكن معالجته بالطرق التقليدية، ولا من خلال تدخلات مجزأة وقطاعية وصغيرة الحجم».


http://al-akhbar.com/node/223634
العدد 2491 الثلاثاء 13 كانون الثاني 2015

Script executed in 0.03984808921814