أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

موسم الهرولة إلى دمشق

الأحد 01 آذار , 2015 12:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 22,817 زائر

موسم الهرولة إلى دمشق

 يبدو جليا هذه الأيام، أن سوريا قد نجحت في قلب الموازين في الداخل وعلى المستوى الإقليمي والدولي، فمباشرة بعد زيارة وفد البرلمانيين الفرنسيين لدمشق، وزيارة وزير العدل الأمريكي الأسبق رمزي كلارك لها، تستعد دمشق لاستقبال وفد تركي رفيع المستوى صباح غد الأحد، يضم نواباً عن أحزاب معارضة، إضافة إلى رئيس البرلمان التركماني في تركيا، وأحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية، إلى جانب رئيس الحكومة التركية الأسبق عبد اللطيف شنر، ورئيس اللجنة الأمنية التركية السورية الأسبق ووزير الدفاع الأسبق وعدد من رجال الأعمال. توالي الزيارات العلنية بهذه الكثافة، إنما يؤكد بوضوح، أن سوريا التي تحارب الإرهاب منذ أربع سنوات، لم تصل إلى المصير الذي أراده لها أعداؤها، بل بالعكس من ذلك كله، استطاعت سوريا أن تنتقل من دائرة الدفاع عن النفس، إلى ساحة الهجوم وأخذ المبادرة، والتحكم في خيوط اللعبة إقليميا ودوليا، وبخاصة منها مع العدو الصهيوني، الذي تفاجأ بتغير قواعد الإشتباك على طول الحدود الفاصلة بين هذا الكيان المُغتصب وسوريا ولبنان، إذ في الوقت الذي كان الصهاينة يُراهنون على إقامة الجدار العازل مع سوريا، نجح محور المُقاومة في تحويل هذه المنطقة إلى أشرس ساحة قتال مع مرتزقة الصهاينة من عناصر جبهة النصرة الإرهابية وما يُسمّى ب "الجيش الحر"، وهذا بحدّ ذاته شكّل انعطافة فارقة في مسلسل الحرب على سوريا، وبات يتهدد أمن الكيان الصهيوني، وهذا برأيي يشكل أحد أهم الأسباب التي جعلت البلدان التي تقود العدوان على سوريا، وعلى رأسها أمريكا وفرنسا وتركيا ومن يسير في فلكهم، يُعيدون حساباتهم من جديد، لأنّ احتدام المواجهة بالقرب من كيان العدو الصهيوني، قد يؤدي إلى تغيير موازين القوة بشكل جذري، بل وبمقدوره أن يشكل بداية الحرب المفتوحة على إسرائيل ومن جبهات عدّة، وبالتالي فإن الولايات المتحدة وبصفتها الحليف الإستراتيجي والتقليدي لإسرائيل، هي من تكون وراء تحريك بعض الدول وبالأخص فرنسا، لتحضير الأرضية لفتح قنوات إتصال مع سوريا، فزيارة الوفد البرلماني الفرنسي وبرغم محاولات قصر الإليزيه ووزارة الخارجية الفرنسية التبرؤ منها، واعتبارها مبادرة لا تلزم إلا أصحابها، إلا أنها أي هذه الزيارة، كشفت من جهة أخرى عمق الأزمة التي تعيشها فرنسا جراء انخراطها في العدوان على سوريا، ففرنسا باتت تتلظى بنار الإرهاب في عقر دارها، ومن قبل إرهابيين وُلدوا في فرنسا وبايعوا التنظيم الإرهابي "داعش" الذي دمر في سوريا والعراق البشر والحجر، ففرنسا الرسمية التي تُظهر اليوم عدم صلتها بزيارة برلمانييها إلى سوريا، حاولت مرات عديدة شأنها شأن العديد من الدول الأوروبية إقامة تعاون استخباراتي مع دمشق، إلا أن الأخيرة رفضت ذلك، واشترطت لتحقيقه إعادة العلاقات الديبلوماسية معها، ومن يعرف طريقة إدارة الدولة في فرنسا يعلم أن السلطة وعند انسداد المنافذ في وجهها تلجأ إلى الإستعانة بالمعارضة لمساعدتها على حماية المصالح الإستراتيجية للدولة الفرنسية، وهذا ما أراه قد تجسّد مع زيارة الوفد البرلماني الفرنسي إلى دمشق. وبرأيي أن زيارة الوفد التركي غدا إلى دمشق، تندرج هي الأخرى في هذا السياق لا محالة، فأردوغان ورئيس حكومته داوود أوغلو، أدخلا تركيا إلى نفق مظلم، قد لا تخرج منه بسلام، فتركيا التي راهنت على إسقاط النظام السوري في ظرف بضعة أشهر، وجدت نفسها تغرق في مستنقع سياسة أردوغان، وتنزلق إلى هاوية أزمة غير مسبوقة، فسياسة تركيا الأردوغانية تسببت في محاصرة وعزلة تركيا في المنطقة، بعدما نجحت قبل انطلاق العدوان على سوريا وليبيا في بسط نفوذها في كامل أرجاء الوطن العربي، فعلاقات تركيا مع السعودية ليست في أحسن أحوالها، كما أن التيار مقطوع بينها وبين مصر، وحالة الفتور لا تزال تطبع علاقاتها مع إيران الحليف الأكبر لسوريا، وحتى مع موسكو التي لم تخف انزعاجها من اتفاق أنقرة وواشنطن على تدريب من أسموهم بالمعارضين المعتدلين، والذين لا يختلفون في شيء عن عناصر داعش والنصرة، فالسلطة التركية المأزومة، لا يمكن أن نستبعد أنها مارست ضغوطها على المعارضة بشكل من الأشكال للقيام بهذه الزيارة إلى دمشق، لأنه ومنذ بداية الأزمة في سوريا، لم نسجل زيارة وفد تركي بهذا الحجم والوزن إلى سوريا، الأمر الذي يؤكد أن أردوغان المأزوم، وفي الوقت الذي يُلوح فيه بالعصا تجاه سوريا، يتوسل أقطاب المُعارضة لفتح قنوات جديدة للتواصل مع دمشق، لأن أردوغان يعي جيدا أن تركيا لا يمكنها أن تواصل سياستها العدائية تجاه سوريا دونما أن تدفع ثمنا غاليا لذلك، وأنّ طريق تركيا نحو الإزدهار الإقتصادي يمرّ بالضرورة على دمشق، وأنه في حال بقاء طريق دمشق مُغلقا في وجه تركيا، فلا يُستبعد أن ينحدر الإقتصاد التركي إلى أسفل سافلين، وإذاك يخرج أردوغان من الباب الضيق للسلطة. ما يحدث اليوم، وما سيحدث قريبا من تهافت على شراء ودّ سوريا، سبق لوالدي رحمه الله جمال الدين حبيبي أن توقع حصوله في مقال له نشره أواخر شهر ديسمبر كانون الأول سنة 2011 تحت عنوان: "أمراء قطر سيُهرولون لطلب العفو من دمشق"، أنهاه بما يلي: " لا أستبعد أن يُهرول أمراء قطر قبل غيرهم من قادة العالم العربي الآخرين إلى دمشق طلبا للعفو والصفح، لأن أمراء قطر لا دين ولا ملّة ولا أخلاق لهم.." وبرأيي أن أردوغان وأسياده ومُحرّكيه، ليسوا أفضل حال من القطريين، وسيأتي اليوم الذي سيهرولون فيه مباشرة نحو دمشق، لطلب الصفح والعفو، لأن سوريا تحولت إلى محور هام للتوازن الإقليمي والدولي، وكل من يبتعد عنها سيقع لا محالة. 

 

زكرياء حبيبي - بنت جبيل.اورغ 

Script executed in 0.038786888122559