رواية المستشفيات مكررة، مثلما يحصل عند تسجيل كل حالة الموت على أبوابها. يظهر أهالي الضحايا ــ الذين هم غالباً أطفال ــ كمجانين أو رعاع، وفي أفضل الأحوال مهملين وغير آبهين بحياة أولادهم. الطفل عبد الرؤوف منير الحولي (أربعة أشهر) من بلدة مجدلا، هو آخر ضحايا الموت أمام أبواب المستشفيات، إذ رفض مركز اليوسف الاستشفائي ومستشفى عكار ــ رحال استقباله في 1 آذار، كما يقول الأهل، ما أدى إلى وفاته. إثر وفاة الطفل، أوعز أبو فاعور بفتح تحقيقٍ فوري في القضية، وطلب من والد الطفل الحضور الى الوزارة لتزويد المسؤولين بالمعلومات، واستدعاء مديري المستشفيين المعنيين إلى الوزارة، على أن يتم اتخاذ ما يلزم من إجراءات في ضوء ما يتوصّل إليه التحقيق. لأسباب مجهولة ــ ربما تتصل بالتحضيرات لحلقة «كلام الناس» ــ تعذر الحصول على تعليقات من وزارة الصحة حول مضمون التحقيقات التي قامت بها. اكتفت مصادر في الوزارة بالقول ان الوزير أبو فاعور سيحمل معه ملف التحقيقات الى حلقة «كلام الناس». في هذا الوقت، وبانتظار «الظهور الإعلامي» للوزير المسؤول، كانت الساحة متروكة لعرض نتائج التحقيقات التي أجراها المستشفيان، والتي توصلت إلى براءتهما من موت الطفل، كنتيجة حتمية. تقول رواية مركز اليوسف الاستشفائي التي أعلنها هارون، إنه في 1 آذار عند الساعة 11 قبل الظهر حضر والد الطفل وحيداً الى مكتب دخول قسم الطوارئ، واستفهم من الموظف المسؤول عن توفر سرير فارغ في قسم الأطفال. أخبر الموظف أن طبيب الطفل طلب إدخاله الى المستشفى وأظهر ورقة طلب دخول لا تحمل اسم أي مستشفى، كما لا تحتوي على أي ذكر لحالة طارئة أو إشارة الى خطورة وضع الطفل الصحي.
تعذّر الحصول
على تحقيقات وزارة الصحة التي انتهت
أبلغ الموظف المسؤول الوالد أنه لا يوجد سرير فارغ في قسم الأطفال، فغادر من دون أن ينزل طفله من السيارة، أو يطلب معاينته من قبل طبيب الطوارئ. تقول الرواية إن «الوالد كان مستعجلاً لأخذ الطفل إلى مستشفى آخر»، ما يعني أن الوالد ليس مهملاً كما اتهمه هارون. يُكمل هارون أن الوالد توجه الى مستشفى رحال، حيث لم يجد أيضاً سريراً فارغاً. يؤكد تقرير مستشفى رحال مجدداً أن الوالد لم يُعلم المستشفى بدرجة خطورة وضع الطفل، مكتفياً بالسؤال عن سرير فارغ، حتى إن الموظفة عرضت عليه إدخال الطفل لمعاينته من قبل طبيب الطوارئ وإجراء اللازم له، إلا أن الوالد رفض، وفق رواية إدارة المستشفى! عند الساعة العاشرة ليلاً أحضر الطفل الى قسم الطوارئ في مركز اليوسف وكان متوفى سريرياً حسب تشخيص طبيب الطوارئ، الذي أكد عدم إخضاعه لأي إنعاش لانتفاء السبب وتأكيد الوفاة.
تنتهي رواية نقابة أصحاب المستشفيات هنا، إلا أن هناك طفلة أخرى توفيت على باب مستشفى رحال قبل مرور 24 ساعة على موت الحولي، هي إنعام عيد (6 أشهر)، لم يأتِ هارون على ذكرها. عقب انتهاء المؤتمر، شرح هارون أن «الطفلة تعاني من حالة خاصة مهمة طبياً، وهي لم تمت على باب المستشفى، وإنما داخل المستشفى في حضن والدتها بسبب دخول الأكل في مجرى الهواء، ما أدى إلى وفاتها». إذاً، ماتت إنعام اختناقاً داخل مستشفى رحال!
طوال المؤتمر، كان النائب رحال يهزّ رأسه تأييداً لكلام هارون الذي هدد الدولة والناس وأكّد أنهم جميعاً تحت سطوة المستشفيات الخاصة. اعتبر هارون أنه «إذا فشلت الدولة في إقامة شبكة مستشفيات حكومية فلا يجوز أن تقع اللائمة على المستشفيات الخاصة. لدينا 25 ألف موظف وما يقارب 7000 طبيب ونستقبل سنوياً 700 ألف حالة استشفاء، ولولا المستشفيات الخاصة لمات المرضى في بيوتهم. هل لديكم بديل عنّا؟». لم يُعجب نقابة المستشفيات إيقاف القضاء أربعة موظفين من أجل التحقيق معهم، فحذّرت أنه «إذا تم في ما بعد أي إجراء من هذا النوع بحق موظف يبرز لاحقاً أنه بريء فسيكون للمستشفيات شأن آخر». وعوض توجيه التهم إلى المستشفيات الخاصة، لفت هارون إلى أن «مستشفى بيروت الحكومي، وهو أكبر مستشفى حكومي، أغلق فيه الموظفون مدخل الطوارئ، فيما يقول البعض إننا مقصّرون». لم يحافظ رحال على هدوئه طويلاً، فقد بدا عليه الغضب بعد انتهاء المؤتمر إذ قال «أصبح المريض يأتي الى المستشفى ويقول لنا «بتفوّتني أو بتلفن لأبو فاعور!» هذا تمرّد، أبو فاعور يشجع الناس على التمرد». أكد أبو فاعور في بيانه السابق عن موت الطفل، «التزامه العمل بما يؤمّن لكل المواطنين حقّهم بالاستشفاء بكرامة وعدم إذلالهم على أبواب المستشفيات»، لذلك قد يكون الأجدى به أن يبدأ بإعادة طرح مشروع التغطية الصحية الشاملة لجميع اللبنانيين، كي يُثبت فعلاً أنه يسعى إلى إصلاح النظام الاستشفائي.