أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

بائع مسنّ يتحدى المسافات... ليعيش بكرامته

الخميس 19 آذار , 2015 04:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 7,093 زائر

بائع مسنّ يتحدى المسافات... ليعيش بكرامته

إنّه السيد عبد الحسين عباس، بطلُ "قصّة" قد تكون مخوّلة لنسجها في فيلمٍ يعكس ما يحتضنه هذا الرجل من إصرار وإرادة لمواجهة صعوبات الحياة يرافقهما إيمان داخلي وقناعة كبيرة بما هو عليه. صاحبُ الثمانين لا تمنعه شيخوخته من مواصلة مهنته لتوفير لقمة عيشٍ كريمة لعائلته المكوّنة من ثلاثة شباب. لقمةٌ صعبة المنال، تدفعهم يومياً ومنذ سنواتٍ عدّة، للتوجه من قريته جبشيت في الجنوب، نحو مدينة بيروت قبل بزوغ الفجر ليتمكّن من المرور نحو فرنٍ في منطقة الباشورة في بيروت ونقل عربته نحو منطقة الحمرا، وتحديداً أسفل مبنى وزارة الاعلام، حيث تتمحور نقطة رزقه الدائمة.

رغم تلك المسافات اليومية إلاّ أنّ "أبو محمد" اعتاد عليها، فيصفها بـ"المقبولة" قائلاً: "شو بدي اعمل ولادي اوادم بس بدي ياهن يخلصو تعليمن وانا قادر اشتغل وما بدي اعتاز حدا". فابنه البكر محمد تجاوز الثلاثين من عمره، متزوج ويساعد والده قدر الإمكان بينما الاثنان الباقيان فعمرهما بين الـ18 و20 عاماً، يتابعان تعليمهما وفي أوقات فراغهما يمدّان يد العون لوالدهم.

 

خلال تواجدنا قرب عربته، يتحدث "أبو محمد" عن مهنته المتواضعة وكيفية تأمين لقمة العيش، فيما النعاس يغلبه، فيقول: "أنا عم احكيك ونايم... شو بعمل من 4 الصبح فايق". عبارة أصرّ على ذكرها مراراً، ليؤكد أنّ لقمة العيش صعبة في مجتمعنا، حيث بالكاد يتمكن من تأمين عشرين ألف ليرة للعائلة. ويتابع: "في السابق كان كل شيء أفضل، لكن إيماني بربي كبير فهو الغني"، فجلّ ما يهمّه ألا يحتاج الى طلب مساعدة مادية من أحد، "أعمل بعرق جبيني لتأمين بعض الاموال كما أقوم بالزراعة حول منزلي لتوفير المزيد من المال للعائلة"، "طالما الصحة منيحة وما باخد دوا حضل اشتغل" وينهي جملته ضاحكاً "رفقاتي لي بعمري ما فيهن يتحركو، كتر خير الله بعدني بصحتي". وبالرغم من الربح القليل والذي قد لا يتعدى الـ 10 الاف ليرة او 20 في أحسن الأحوال ولكن سعيد بقناعتي واعمل رغم كل المعوقات، مضيفاً "انا لست مخولًا لاجراء مقابلة ووضعها في الجريدة انا لست سارقًا بل اعمل لمساندة عائلتي لست بحاجة لمقابلة انا اعمل كباقي العمال ولست بحاجة لأحد، فلو كنت في بلد محترم لكنت جالسًا في منزلي واتقاضى راتباً ولكن الحمد لله...".

وبغصة يتابع حديثه عن سلالته بالقول جميع المراجع الدينية هم اقربائي حتى السيد المغيب موسى الصدر من اقربائي مع ضحكة تحمل الكثير من المعاني كفيلة بفهم واقع حال بعض "الأوادم المهمشين"، مضيفاً، من قبل كانت تصلني مساعدات فتوقف ارسالها، واصفاً توزيع تلك المساعدات بالقول " بشيلو اسماء وبحطو اسماء" وانا أبيع الكعك ولم اطلب المساعدة من أحد ولن أطلب تلك المساعدة حتى من اقرب الناس لي، فأنا مقتنع بايماني وبربي، فبحسب ابو محمد لا يوجد أحد سيكون معك طالما ضعفت مادياً، ولكن الكل سيتذكرك يوم وفاتك واقصى ما سيفعلونه هو المشي خلف الجنازة لبعض الوقت ومن ثم يتناسون.

ولدى الاستفسار عن وضعه الصحي يجيب بكل ثقة " انا اصوم 3 اشهر من السنة رجب وشعبان ورمضان"، وفي عز الحر اعمل تحت حرارة الشمس ولا اشعر بأي تعب، مقتنع بما اقوم به الحمد لله فان الله هو الرازق، ليقاطع الحديث احد الزبائن بالقول" ابو محمد عطينا كعكة".

وبعد خدمة الزبون على اكمل وجه يشرح ابو محمد الفرق بين العمل في السابق واليوم حيث كان يسمح له الوزير ميشال سماحة بركن عربته بالقرب من سيارة الوزير ويقولها بضحكة"هيدي سيارتي حد سيارة الوزير" اما اليوم فأنا ممنوع من ركن عربتي ولكن بتنهيدة يقولها كل شي تغير "فأنا مضطر لركن العربة في الباشورة بعد معاناة التنقل من الجنوب مضيفاً صحيح هم سمحوا لي بركنها في الموقف ولكن قد اعرقل حركة الموظفين معتبراً انه من غير المنطقي ان ينزل احد من مكتبه لكي أتمكن من اخراج عربتي، مفضلاً المشي لساعة تقريباً تحت الشمس على ان يسمع كلمة تزعج خاطره.

ايمان السيد عبد الحسين عباس وقناعته المتميزة بما هو عليه قد لا يوازيه ايمان فهو ببساطة ما زال على التسعيرة القديمة الف ليرة لبنانية للكعكة الواحدة رغم كل الغلاء الذي يرافق بعض الباعة بالقرب منه وتميزهم عن ما يقدمه الا ان الزبائن يفضلون ابو محمد فهو يقول ان هناك بعض اصدقائه في المنطقة يشاهدون كم تبقى من بضاعة لديه ويعطونه ثمنها كي يستطيع العودة باكراً الى قريته، ولكن ببساطة يقاطع تلك العبارة بـ"الله رزقني بطعمي المحتاج" فأبو محمد يعطي كل ما تبقى لديه لبعض المحتاجين في المنطقة، قبل ان يعاود رحلته الى قريته عبر الباصات، ليعود ويشدد مجدداً برضاه الكامل عن اولاده الثلاثة مكرراً على مسامعهم " انتو تعلمو وما بدي شي منكن".

قد تكون هذه القصة الصغيرة لبائع الكعك واصراره على الحياة بكرامة مشابهة لقصص عديدة وكثيرة في دولة نسيت كبارها واهتمت بتقسيم ما تبقى من مجتمع وان ارادت جمعه تحت حجة الوفاق الوطني يكون تطبيقاً لمصالح الفئات السياسية. وعلى حد قول ابو محمد "لو كان في بلد ما كنت شفتني هون وعم تحكي عني... الله كريم".


البلد 

Script executed in 0.04077410697937