أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

تأجيل التسريح: الضرب بالخلّ والحامض

السبت 21 آذار , 2015 08:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,248 زائر

تأجيل التسريح: الضرب بالخلّ والحامض

نقولا ناصيف

من باب لزوم ما لا يلزم القول ان تمديد استمرار المدير العام لقوى الامن الداخلي، ومن بعده قائد الدرك ثم الداخل حديثا في سلسلة تأجيل التسريح قائد شرطة بيروت، وصولا الى رئيس الاركان في مناصبهم، ينتهي حكما ــ وربما ليست لمرة اخيرة ما لم ينتخب رئيس للجمهورية ــ عند قائد الجيش العماد جان قهوجي.

بذريعة المواءمة السياسية والتسلح بالنص القانوني، مستفيدا من المادة 55 في قانون الدفاع، والمادة 161 في قانون قوى الأمن الداخلي، ما يجعل هذا التدبير قانونيا مقدار ما يبدو غير مألوف، ومضرا وسابقة مكلفة، يستمر الضباط الكبار حيث هم بالحجّة نفسها: تكليف الجيش حفظ الامن في البلاد.

 

وبرغم ان الضباط الكبار هؤلاء يتساوون في تبرير الاجراء، على تفاوت اهمية مواقعهم وتداخل الشق العسكري فيها بالشق السياسي، يبقى قائد الجيش وحده تقريبا في واجهة الاشتباك. حتى الآن يقتصر الرفض العلني على تأجيل التسريح على الرئيس ميشال عون بتصويبه على الضباط المرشحين للتمديد جميعا لا قهوجي فحسب، بينما الافرقاء الآخرون موزّعون على مؤيد او متريث او متكتم.

بعض الحجج المتداولة:

ــ انتظار انتخاب رئيس الجمهورية نظرا الى اهمية دوره في اختيار قائد الجيش ومدير المخابرات، وان امست هذه حجة واهية.

ــ تعذر توافق ثلثي مجلس الوزراء منذ حكومة الرئيس نجيب ميقاتي على تعيين قائد جديد للجيش، وفي الوقت نفسه تفادي شغور هذا المنصب الحساس.

ــ استعصاء التفاهم السياسي على صفقة متكاملة للتعيينات العسكرية والامنية تشمل المناصب التي يملأها راهنا تأجيل التسريح، فضلا عن تعيين أعضاء جدد في المجلس العسكري الشاغر نصفه. تفاهم كهذا يقتضي ان يكون جزءا لا يتجزأ من تسوية داخلية على تقاسم التعيينات تلك في مرحلة تالية لانتخاب الرئيس. بيد انها تكون في صلب صفقة التوافق على الحكومة الاولى للعهد الجديد.

ـ خطر الارهاب الذي يتهدد البلاد، ما يقتضي ابقاء القديم على قدمه، وتحديدا على رأس المؤسسة العسكرية، بغية ابقاء الجيش في جهوز تام للمواجهة المفتوحة.

 

بين المواءمة السياسية والنص القانوني تستقر السابقة

 

سواء صحت الحجج تلك ام لا، يُحمّل تبرير تأجيل التسريح احيانا اكثر مما يحمل، وخصوصا لدى اقترانه باولوية انتخاب الرئيس.

خلافا لواقع ساد عقودا طويلة حتى اتفاق الطائف، لم يعد رئيس الجمهورية مرجعية اختيار قائد الجيش، برغم ان تعيينه في مجلس الوزراء لا يزال اياه، لم تشمله اصلاحات اتفاق الطائف. اسوة بسائر موظفي الفئة الاولى، يُعين بغالبية الثلثين، وهو في الدستور المنبثق من ذلك الاتفاق يخضع لاحكام المادة 65، بالنصاب الموصوف نفسه، على انه احد المواضيع الاساسية. تغيّر دور الرئيس ولم تتبدّل آلية التعيين، وبات اختيار قائد الجيش في صلب المعادلة السياسية وموازين القوى الداخلية تكرّسها المادة الدستورية.

واقع هذه المعادلة ان على القائد الماروني حماية المقاومة الشيعية والدفاع عن صلاحيات السنّة في نظام الحكم. صار هؤلاء جميعا معنيين بالتوافق عليه. الاحرى ان يتحسّبوا سلفا لاحتمال ترئيسه في ما بعد.

في ظل الحقبة السورية كما بعدها، لم يختر اي من رؤساء ما بعد اتفاق الطائف قائد الجيش. الرئيس الياس هراوي كان يريد العميد جورج حروق ثم العميد فهيم الحاج قائدا، الا ان دمشق فرضت عليه العميد اميل لحود، والرئيس اميل لحود كان يفضل العميد اسعد غانم ثم العميد سليم ليون الا ان دمشق فرضت عليه العميد ميشال سليمان، والرئيس ميشال سليمان اخيرا أُرغم على العميد جان قهوجي. خلاف لحود مع العماد ميشال عون عام 1989 زكاه عند دمشق، ووجود سليمان على رأس لوائه في البقاع ومعرفته الوثيقة باللواء غازي كنعان زكاه، كذلك حال قهوجي على رأس لوائه في الجنوب اتاح لحزب الله ــ كما من قبله دمشق لسلفيه ــ ان يضربه بالخل والحامض، ويختبر مرارا علاقته بالمقاومة كي يزكيه. ثم كان اول مَن سارع الى دعم تأجيل تسريحه عام 2013 ابان حكومة ميقاتي برغم معارضة حليفه عون هذا الخيار ولا يزال.

ومع ان قادة الجيش المتعاقبين على مرّ العهود كانوا يُعيّنون بالاجماع لا بالتصويت، قبل اتفاق الطائف وبعده، فإن تعيين قهوجي في 28 آب 2008 دوّن السابقة. للمرة الاولى يُصوّت مجلس الوزراء على تعيين قائد للجيش ما عكس انقساما على الشخص: ثلاثة وزراء عارضوا واثنان امتنعا وثلاثة آخرون غابوا.

الذريعة نفسها تساق بازاء تعيين مدير المخابرات الذي لا يتطلب مرسوما في مجلس الوزراء، بل يكتفى بمذكرة يصدرها وزير الدفاع بناء على اقتراح قائد الجيش. مع ذلك نُظِر باستمرار الى ان مدير المخابرات ــ كما في ما مضى المدير العام للامن العام ــ على انه رجل رئيس الجمهورية الذي يختاره بالتوافق مع قائد الجيش، الذي يكون الرئيس بدوره قد اختاره قبلا، بغية تنسيق التواصل بين الرئيس والقائد. درجت هذه القاعدة طويلا حتى اطاحها اتفاق الطائف مرتين على التوالي: في ظل وجود سوريا في لبنان، ثم بعد جلاء جيشها. لم يعد الرجلان حقا رجلي الرئيس، بل المعادلة السياسية. لم يعد قائد الجيش بالذات رجل الرئيس. كشفت ذلك في عقد ونصف عقد من الزمن العلاقة المتوترة بين الهراوي ولحود، ولحود وسليمان، وسليمان وقهوجي.

الاحرى ان يكون الامر كذلك بين رئيس يوشك على انتهاء الولاية، وقائد للجيش يرشح نفسه كي يخلفه. فكيف اذا كان يسابق الشغور؟

الاخبار 

العدد ٢٥٤٨ السبت ٢١ آذار ٢٠١٥

http://www.al-akhbar.com/node/228840

Script executed in 0.042182922363281