أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

المغامرة السعوديّة في اليمن وبداية نهاية الدور

السبت 28 آذار , 2015 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,522 زائر

المغامرة السعوديّة في اليمن وبداية نهاية الدور
التفاوض بشأنه أقلّه كي لا تفقد زخمها الإقليمي، ومن خلال ورقة عبد ربّو هادي الذي كان لا يزال في عدن والتي كانت تراهن على بقائه بهدف تكريس تقسيم اليمن من ناحية لإبقاء الحوثيين تحت رحمة إمدادها المالي نظراً لعدم قدرة إيران على توفير العملة الصعبة، ومن ناحية ثانية لإبقاء نفوذها في جنوب اليمن عبر الرئيس المستقيل والذي يؤمّن لها السيطرة على باب المندب. وهذا ما يفسّر عدم تحرّك السعوديّة العسكري إزاء الإنتصارات الحوثيّة في شمال اليمن وبعض وسطه (حتّى منذ العام 2009)، إلى حين الزحف المفاجىء والسريع صوب عدن وهروب الرئيس اليمني ووصول طلائع الحوثيين إلى باب المندب. 

في المقابل، إنّ السعوديّة أحسّت بالسخونة بعد تأكّدها من إنتاج تسوية مخيفة بين إيران والولايات المتّحدة، وبعد تأكّدها من خسارة أوراقها في سوريا والعراق. الأمر الذي جعلها تنجرّ إلى الزلزال اليمني معتقدة أنّها بتدخلّها العسكري تلفت إنتباه الإدارة الأميركيّة حتّى أنّها حرصت ولو شكليّاً على تقصّد إعلان التحالف السنّي العسكري ضدّ اليمن عبر سفيرها في واشنطن. والهدف من ذلك هو القول لأميركا أنّنا نمتلك ورقة اليمن ونستطيع أن ندخل المفاوضات بينكم وبين إيران عبر هذه الورقة. إلاّ أنّ فتور الولايات المتحدّة إلى حدٍّ ما سيؤدّي قريباً إلى إعلان توقّف العمليّات العسكريّة الجويّة ضدّ الحوثيين وعلي صالح كون هذه العمليّات، من دون أن تقترن بتحرّكات بريّة على الأرض، ستكون شبيهة بضربات التحالف الدولي ضدّ داعش والتي لن تؤدّي إلى نتيجة من دون إحتلال الأرض. وهذا ما لن تقم به السعوديّة نظراً للتحصينات السريّة التي أنشأها الحوثيّون منذ ما قبل العام 2009 والشبيهة إلى حدٍّ كبير بتلك التي أنشأها حزب الله اللبناني مقابل إسرائيل. ناهيك عن عدم خبرة الجيش السعودي البرّي لخوض مثل تلك المواجهات. الأمر الذي سيكلّفه دفع الثمن الباهظ على صعيد الأرواح وربّما لاحقاً بعد إستيعاب الضربة من قبل الحوثييّن إنهياره أمام أي هجوم معاكس على نجران القريبة والتي تتبع تاريخيّاً دولة اليمن والتي سُلِبَت منها بعيد تأسيس مملكة آل سعود. بالإضافة إلى عدم قدرة مصر وأي دولة عربيّة أخرى وحتّى باكستان على خوض أي مغامرة بريّة وذلك يعود إلى عدّة عوامل ليس آخرها العامل الديني المذهبي، وعدم إمكانيّة التغطية السياسيّة من قبل الولايات المتحدّة، لعدم إستفزاز إيران وهي على أبواب التوقيع معها على الإتفاق النووي والسياسي. وبالتالي لا تريد إغضاب الدبّ الروسي الذي يرتبط أيضاً بمصالح إستراتيجيّة مع إيران إبتداءً من مضيق هرمز إلى باب المندب. ناهيك عن إمكانيّة خسارة أميركا الإقتصاديّة الهائلة في حال قيام إيران بالسير بمعادلة مضيق هرمز مقابل باب المندب. 

إذاً، إنّ المملكة السعوديّة، وبغضّ النظر عن التصريحات الأميركيّة بتقديم الدعم اللوجستي والتغطية السياسيّة لحملة الدول "السنيّة" العسكريّة ضدّ اليمن، قد تسرّعت بمباشرة الضربات الجويّة. و ذلك لعدم إلمامها بقراءة النتائج السياسيّة والعسكريّة والإقتصاديّة لهكذا خطوة أو مغامرة إذا صحّ التعبير. ولو أنّها تتمتّع بالنضج الذي تتصّف به إيران، لكانت إستبدلَت خطوتها بدعم الرئيس اليمني هادي عسكريّاً عبر إمداده بالأسلحة والأموال لما يكفي بمنحه القدرة على الصمود منذ هربه من صنعاء إلى اليمن. إلاّ أنّها لم تحسن قراءة الإشارات الأميركيّة إن كان مع إيران أو في العراق أو في سوريا أو حتّى مع إسرائيل التي ذهبت معها الإدارة الأميركيّة إلى حدّ الجفاء السلبي مع نتنياهو. لا بل إنّها وقعت بالفخّ الأميركي الشبيه بذلك الذي أوقعت به صدّام حسين عبر إبريل غلاسبي في حرب الخليج الأولى والتي حرّضته على إجتياح الكويت ومن ثمّ جعلته يدفع الثمن الباهظ. والذي أدّى بعد 12 عام على حياته وحياة العراق، مع فارق كبير أنّ الولايات المتحدّة ليست الطرف المعني إن جويّاً أو بريّاً أو حتّى عسكريّاً في المغامرة العسكريّة ضدّ اليمن، بل السعوديّة، وشتّان بينها وبين أميركا وقوّات التحالف التي شُكِّلَت لتحرير الكويت في العام 1990. 

أمّا ما لم تفهمه السعوديّة، أنّ المطلوب أميركيّاً في هذه المرحلة المصيريّة الإنتقاليّة  هو تصريف الإتفاق مع إيران. ولن يتمّ ذلك إلاّ بإستبعاد طرفين معارضين له، أي إسرائيل والسعوديّة  الأكثر تضرّراً من تغيير خارطة النفوذ في الشرق الأوسط،. فإسرائيل تمّ لجمها عبر محطّتيْن، الأولى عسكريّة بعد قيامها بعمليّة القنيطرة التي أدّت إلى سقوط 7 من كبار قادة المقاومة من ضمنهم ضابط إيراني رفيع المستوى. والردّ عبر عمليّة شبعا النوعيّة والتي وللمرّة الأولى لم تقم الولايات المتحدّة الأميركيّة باستدعاء مجلس الأمن لإصدار قرار يدين المقاومة بالرغم من إعلان السيّد حسن نصرالله تغيير قواعد الإشتباك مع إسرائيل وربط جبهة الجولان بجبهة جنوب لبنان للمرّة الأولى في تاريخ الصراع مع الكيان الإسرائيلي. والثانية سياسيّة عبر توجيه رسالة قاسية لرئيس حكومة الكيان نتنياهو عبر تمنّع الرئيس أوباما حضور الخطاب الذي ألقاه "بيبي" أمام الكونغرس الأميركي،. ناهيك عن تصريحات الخارجيّة الأميركيّة بإتّهام إسرائيل بتقويض حلّ الدولتين وبضرورة إنسحابها إلى خطّ العام 1967. 

وبالعودة إلى السعوديّة، إنّ الولايات المتحدّة الأميركيّة و "بقبّة باط" منها، أوحَت للمملكة بإمكانيّة القيام بعمل عسكري في اليمن. وبذلك تكون قد ضربت عصفوريْن بحجر واحد، من ناحية أولى أقصت السعوديّة وقطر ومحورهما عن الغطاء الذي كانت توفرّه لداعش وجبهة النصرة في العراق وسوريا، ومن ناحية ثانية ستجد السعوديّة نفسها غارقة في حرب إستنزاف في اليمن. حيث يتقن الحوثيّون فنّها بعد إتّباعهم طريقة حزب الله اللبناني منذ عدّة سنوات على الحدود مع السعوديّة. وما تحييد سلطنة عمان عن التحالف السنّي إلاّ مسمار في نعش العمليّات البريّة التي من دون فتح حدود السلطنة لن تؤدّي أيّة محاولة إلى أيّ نتيجة تُذكر.

إلى ماذا ستؤول إليه الأوضاع بعد فترة وجيزة، وبعد إنتهاء سَكرة العمليّات الجويّة؟ الجواب على ذلك بديهيّ جدّاً، السعوديّة رسَمَت درب نهاية نفوذها كدولة إسلاميّة وازنة، وهي إقترفَت بأيديها خطيئة خسارة أوراقها الإقليميّة ورقة تلو الورقة ولم تُحسن الإستفادة منها. بعكس إيران الدولة البراغماتيّة التي لم تتورّط عسكريّاً بشكل مباشر في أيّ نزاع بعد تجربة الحرب مع صدّام حسين، ولم تغرق في الإسترسال بالشعور المذهبي كما تفعل السعوديّة. لا بل دعمَت المقاومة السنيّة في فلسطين وزايدَت على الغرب بالتصدّي للقاعدة إن كان في أفغانستان وفي اليمن وبالحلول مكان الماكينة العسكريّة الأميركيّة بالتصدّي لإرهاب داعش في العراق وبمدّ السنّة الأكراد في شمال العراق بالأسلحة بعد سقوط الموصل، وبسحب الميليشيات الشيعيّة من معركة تكريت لكي لا تتخّذ الطابع المذهبي. وهي بالتأكيد لن تتدخلّ عسكريّاً في اليمن لنفس الأسباب. وهذا ما يميّزها عن السعوديّة وغيرها من الدول التي تدور في فلكها. وهذا ما سيؤدّي إلى نهاية قصّة مملكة آل سعود من دون أي مجهود عسكري أو سياسي وربّما لاحقاً إلى وصول كأس التقسيم إلى السعوديّة. ومن المؤكّد أنّ الإتفاق الإيراني الأميركي سيسرّع بتجرعّها، والفترة القادمة ستشهد ما إذا كانت هذه الأمور ستتحقّق أم لا، وما إذا كانت المغامرة العسكريّة السعوديّة في اليمن سترسم بداية نهاية الدور السعودي.  وكلّ ذلك سيتوقّف في الدرجة الأولى على مواقف السعوديّة ذاتها...

المحامي فادي سعد

Script executed in 0.030489921569824