تتابع بكثير من لهجة التحنُّن "اعطيه خمسمية بدل ما تصوريه". أيقنت عندها أنها تقصد الطفل الجالس على الأرض، ظناً منها أني أصوّره.
صغيرٌ من ذوي الإحتياجات الخاصة. هو (حمّودي) الذي يفترش الزفت وسط زحمة السوق. يحرّك علبة صغيره يمنةً و يسرةً على الأرض، علّ المارّة يلتفتون إليه بشيءٍ من (الفراطة). و ليس فيها إلا بضعة ألوفٍ و عملات معدنية لم تغطِّ قاعدة العلبة.
و بالعودة إلى تلك المرأة، عبثاً حاولت إقناعها أني لم أكن أصوره. إذ كانت تلاقيني كلما مررت بقربه "حرام تصوريه، عيب، عيب"! و لما عاتبتها "بما أنه حرام و عار، لماذا تتركينه في الشارع؟"، سؤال ليس مُحرّم، تجاهَلَت ما سمعَت و انهالت عليّ بدعوات استعطاف و طلب للمال. مضيت و لم أعلم صلة القرابة، أهي أمه؟ أتُراهُ حسُّ الأمومة نهض فجأة، بعدما وخزته عدسة كاميرا؟
يقول (حمودي) أنه من سوريا، و لدى السؤال خلسة عما إذا كانت أمه من تحضره أجاب بإيماءة رأس خجوله "نعم". و أثناء التحدث معه كانت تلك المرأة تراقب بصمت في زاوية مقابلة، لتعود بعدها إلى مزاولة ما امتهنته أي "التسول".
إضافةً إلى ما سلف يقول (حمّودي) أنه في السابعة من عمره، لكن رغم صعوبة تحديد عمره الحقيقي يبدو أكبر من ذلك. إذ يعاني من تشوه خلقي تتجلى معالمه في حجم جسده الصغير جداً، و شكل يديه. و لربما هو نوع من أنواع مرض "تكون العظم الناقص"، بحيث يكبر و لا ينمو معه جسده. و اللافت أن الذين يعانون من هذا المرض معرضون لكسر عظامهم عند أي حادث بسيط. و غالبا ما يكون لديهم ضعف في العضلات و ليونة في المفاصل وتشوهات في الهيكل العظمي. و مهما كانت مشكلته الخلقيه، و مهما كان عمره، يبقى الأكيد أن زفت الشارع ليس المكان الأمثل لرعايته. فالصبي الذي يحتاج عناية خاصة، لا يعرف غير العناية الإلهية راعياً لصحته و سلامته. ربما لأنه لم تبصره بعد أي من عدسات الإعلام و برامج القضايا.
وفي هذا السياق، لا نغفل عن ذكر قصة بائعة الورد في صيدا، الطفلة السورية التي تبيع الورود في الشارع. و قد توفيت منذ فترة قصيرة في حادث سير، مؤكدةً بوفاتها أن الشارع مدفن الطفولة.
و يُذكر أنه في منتصف شهر شباط لهذا العام، أطلقت دراسة بتكليف من وزارة العمل عنوانها "الأطفال المتواجدون والعاملون في الشوارع في لبنان: خصائص وحجم". أظهرت الدراسة وجود نحو1500 طفل مشرد على الطرقات ومن أصلهم يوجد 73 بالمئة من النازحين السوريين و 27 بالمئة من اللبنانيين، ويوجد من بين هؤلاء 43 بالمئة يتسولون في الشارع. كذلك يتعرض هؤلاء الأطفال لأبشع استغلال حيث 56 بالمئة منهم يسلّمون إيراداتهم إلى آخرين، بحسب الدراسة.
و ختاماً، ليس القصد هنا إحصاء شتائم للوالدة، و لا حتى التطرق إلى ظاهرة التسوُّل. بل تسليط الضوء على إعاقة تستغل أبشع استغلال، لرقع مظاهر الفقر. و ذلك من قبل من يُفترضُ أنهم الأقربون و الأحرص على تأمين حياة إنسانية كريمه. فمن لحماية الأطفال من الظُلم الأشد؟
و للتذكير لو لم تصدني تلك المرأة لما كنت التفت إلى (حمّودي). و عدت بعد أسبوع لنقل صورة الطفل الذي حرامٌ عليي تصويره، و حلالٌ عليها تحقيره.