أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

عن اللبناني الغريب في بلده

الخميس 23 نيسان , 2015 08:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,943 زائر

عن اللبناني الغريب في بلده

لكن محمد ريمه لم يشعر أنه لبناني منذ عشرات السنين لأن هذه العبارة غير موجودة في قاموس حياته ويومياته إلا على تذكرة هويته التي عندما سألناه عنها، أخرجها من جيبه بكل أسى ومرارة ولوعة.

كم يحب محمد ريمه لبنان لكنه في المقابل يكره المسؤولين في هذا البلد الذين وحسب قوله "المواطن ليس على خريطتهم بالمرة فكل همهم أنفسهم فأنفسهم فأنفسهم فأولادهم وذووهم".

عمل شاق ومضنٍ

يسكن محمد مع زوجته في مخيم نهر البارد ببيت أجرة. من الـ 9 صباحاً يبدأ محمد ريمه عمله بجمع كل ما تيسّر أمامه على الطريق من تنك وبلاستيك وزجاج مرمي على جوانب الطرقات. أما المناطق التي يعمل فيها فهي الطريق الدولي من العبدة حتى مفرق حمص، ومن العبدة إلى حلبا، أما عدة الشغل لديه فهي العربة المصنوعة من دفوف الخشب مثبتة على 3 دواليب يجرّها محمد ريمه على طريقه يجمع في داخلها الزجاج والبلاستيك وما خلّفه وراءهم المارّة أو قاصدو المنطقة بشكل عام.

إنه عمل شاقٌ ومضنٍ على رجل خمسينيّ العمر كمحمد ريمه ومع ذلك فإنه لا يكفيه حتى لتحصيل قوت يومه مع زوجته، فما بالك بايجار المنزل عند كل شهر؟!

7 آلاف في اليوم

يجمع محمد ريمه من المنية ما تيسّر أمامه من زجاج وبلاستيك ويضعها ضمن عربته الصغيرة التعيسة والتي تبدو عليها كما على صاحبها كل مظاهر الفقر والبؤس والعوز، حتى إن هناك أشخاصا كثيرين غير لبنانيين في لبنان أوضاعهم أفضل بكثير من محمد ريمه وأمثاله من المعذبين في هذا الوطن. أما غلّة محمد اليومية من الأموال فهي إما 5 آلاف ليرة أو 7 آلاف ليرة أو 10 آلاف ليرة لبنانية في أحسن الأحوال، فما يجمعه هذا الرجل البائس من الزجاج والبلاستيك والتنك يذهب به إلى البور لبيعه بأرخص الأثمان وإن لم يقبل بهذه الأثمان بقي ما جمع لديه، على أن ما يحصل عليه من مبلغ متدن ليس كافياً البتة لتأمين طعام اليوم له ولزوجته إضافة إلى متطلبات الحياة الكثيرة هذا ناهيك عن التعب الكبير الذي قد يكون ألمّ به من مشوار يوم طويل جارّاً العربة بما حملت.

"ما عاد في شي مهم"

في حديثه إلى "صدى البلد" من على شاطئ العبدة طريق حمص حيث وجدناه يجمع غلته اليومية من البلاستيك وما شابهه يعتبر محمد ريمه أن ليس هناك في هذه الحياة بعد ما هو مهم ويستحق التفكير والعذاب لأجله. ويقول "أنا مواطن لبناني وهذه هويتي اللبنانية ومن بلدة المنية وأسكن في مخيم البارد، رزقت أربعة أولاد ولم يبق منهم على قيد الحياة ولا ولد لأنهم كانوا يولدون قبل أوانهم ما يستدعي وضعهم في الفرن كما العادة. لكني لم أكن أملك المبالغ المطلوبة حيث تكلفة الليلة الواحدة في المستشفى 100 دولار أميركي لمثل هذه الحالة ولست مشمولاً بضمان صحي أو غيره وليس هناك في هذه الدولة من يتطلع إلى مسكين مثل حالتي فكان الطفل يولد وسرعان ما يموت لعدم توفر العناية والرعاية الصحية له".

عاملوني مثل السوري !

يسأل محمد ريمه دولته قائلاً "لماذا لا تعاملونني مثلي مثل النازح السوري الذي تغدقون عليه الدعم والمساعدات والرعاية بكل أشكالها وتسافرون لأجله إلى كل بلدان العالم وتأتون منها بالأموال لتصرفوها على السوري بينما اللبناني المعذب متروك للإهمال وسوء المصير من دون أي التفاتة منكم في هذه الحكومة الكريمة ! ".


ضمان صحي

لا يريد محمد ريمه الخمسيني العمر من الدولة اللبنانية أكثر من ضمان صحي له ولزوجته فهو على حد قوله "رجل مريض وعمله شاق ومضنٍ وزوجته مريضة أيضاً وهما بحاجة إلى عناية صحية من وقت لآخر وغير قادرين عليها وليس لديهما أي ولد أو معيل وهذه ليست منّة منهم أبداً بل هي حقٌ لنا وللبنانيين جميعاً على الدولة التي أكل الحكّام كل ما فيها هم وحواشيهم ولم يتركوا لأمثالنا من الفقراء شيئاً".

ويتابع محمد ريمه حديثه "في كل بلدان العالم التي تحترم نفسها وشعبها تؤمن الدولة بطاقة صحية أقله لكبار السن أو من لا معيل لهم تساعدهم في آخر أيام حياتهم إلا في لبنان. في هذا البلد تفقد كل شيء من جانب الدولة حتى أبسط حقوقك. أنا مرتاح في عملي وأفتخر بما أعمل ولا أستحي البتة ولكن المردود القليل والمتطلبات الكثيرة هي ما تقض مضجعنا أنا وزوجتي في غياب أية تأمينات في هذا البلد ونحن في آخر أيام حياتنا".

... وحان وقت العودة

عند الثانية بعد الظهر وقت التقيناه كان محمد ريمه قد أنهى عمله ويريد التوجه بما جمع من مواد إلى البور كي يبيعها. استغرق حديثنا معه قرابة الـ 10 دقائق وبعدها ودّعنا وجرّ عربته الممتلئة خردة من تنك وزجاج وبلاستيك قاصداً بور العبدة ليبيع ما جمعه إلى آخرين يبيعونها هم بدورهم بسعر أكبر مما يدفعون لمحمد ريمه إلى معامل التدوير وغيرها ثم يعود أدراجه باتجاه منزله القريب في مخيم نهر البارد.

قد تكون قصة محمد ريمه وزوجته محزنة لدى البعض، وقد تكون مسلية لدى البعض الآخر وقد تكون غير ذات أهمية البتة لدى كثيرين وهم القيمون على شؤون هذا البلد بالطبع. فلو كانت مثل هذه القصص تعني في قاموسهم شيئاً لما كانوا ليتركوا هذا المواطن وغيره ليعانوا البؤس والحرمان والإضطهاد، لكننا نسرد هكذا قصة لعل الدول المانحة والمنظمات في الخارج تدرك أن ليس كل ما تمنحه من مساعدات عبر الدولة يصل إلى الشعب الفقير، لأن جلّه يذهب إلى جيوب الأغنياء وما يصل إلى الفقراء هو فتات الفتات هذا إن وصل ! .

مايز عبيد , الاربعاء 22 نيسان 2015 07:00

البلد 

Script executed in 0.19379711151123