أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

هدم آخر البيوت في الدالية ــ الروشة

الإثنين 04 أيار , 2015 08:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,516 زائر

هدم آخر البيوت في الدالية ــ الروشة

ولكن، على بعد أمتار قليلة، شنت القوى الأمنية غارة فجر السبت، أي بعد 3 أيام على «إربعة أيوب»، بهدف إزالة آخر أكواخ الصيادين على الأملاك العامّة على شاطئ الدالية في الروشة. هنا، للبلدية (والسلطة عموماً) موّال آخر، لا تهم حقوق الناس والدولة ولا تهمّ الذاكرة ولا البيئة ولا أن موقع «الدالية» هو موقع طبيعي فريد نصّت الخطّة الشاملة لترتيب الأراضي على موجب حمايته. هنا في الدالية المصالح التي تمثّلها البلدية مختلفة، فالمستثمر (ورثة رفيق الحريري) لا يريد تعويضات الاستملاك، بل يريد بناء منتجع سياحي فاخر ومول تجاري ومرافق سياحية مغلقة للأثرياء والسياح. في الدالية يريد «المستثمر» السطو على الأرض، أمّا في الرملة البيضاء فيريد أن يقبض من الدولة ثمن الملك العام، الذي حدده القانون 144/S، إذ جاء في مادته الثانية حرفياً: «تشتمل الأملاك العمومية على الأخص (...) شاطئ البحر حتى أبعد مسافة يصل إليها الموج في الشتاء وشطوط الرمل والحصى».

هناك، على شاطئ الرملة البيضاء، خبّر حمد المحتفلين «كيف اكتشف أن المسبح هو عبارة عن عقارات خاصة»، وزعم أن البلدية لا يحق لها أن تمنع أحداً من استعمال ملكه الخاص، فارتأت أن تستملك بعض العقارات «كي تقيم مسبحاً شعبياً يليق بأهل المدينة».

المستثمر لا يريد تعويضات الاستملاك بل يريد بناء منتجع

لم يخبر حمد أهالي بيروت عن القوانين، التي تحفظ الشاطئ الرملي الفريد من دون أن تتكبد البلدية عناء «التعويض» لصاحب العقارات، على اعتبار أن من اشترى هذه العقارات الممنوع استثمارها أو البناء عليها أو إقفالها في وجه العموم، عليه أن يتحمل مسؤولية رهانه برفض الترخيص له أو إدخال أي تعديلات على القوانين والمراسيم التي تحمي الشاطئ وتحمي الملك العام. لم يكن على حمد سوى الإعلان عن تطبيق القوانين فحسب: «عدم السماح لأي أعمال بناء في هذه المنطقة (العاشرة) مع الحرص على ضرورة الوصول الحر الى الشاطئ وعدم حجب الرؤية». إلا أن للبلدية، كما سائر مراكز السلطة، حساباتها الخاصة التي تقوم على تسييب الملك العام وخصخصته، ومن ثم تقديس الملكية الخاصة كأنها أسمى من أي حق أو قانون.

منذ أكثر من عشرة أشهر، البلدية نفسها، رعت تسييج دالية الروشة، وأقامت كشكاً لحرسها لحماية السياج من أي انتهاك لما اعتبرته «أملاكاً خاصة» في الدالية، علماً بأن حمد، كما سائر أهالي بيروت، يعرف ما تعنيه الدالية للمدينة عموماً ولأهالي رأس بيروت خصوصاً. إلا أن الأخيرين لم ينتفضوا على مرّ الأشهر الماضية غيرة على حقهم وتاريخهم وذكرياتهم، وسمحوا للمستثمر، الذي يدّعي تمثيل الأهالي في السلطة، باغتصاب حق المقيمين في المدينة.

عند الساعة الخامسة والنصف من صباح السبت، زحفت «الدولة» بثقلها نحو «أكشاك» آل عيتاني في دالية الروشة. عشرات العناصر من قوى الأمن الداخلي والفهود والقوى الضاربة، قرروا أن يضربوا بيد من حديد وأن يجرفوا مساكن أحد «أعتق» سكان الداالية لأنهم «تعدّوا على ملك خاص»، وفق ما قال أحد عناصر الأمن لأميرة، زوجة الصياد محمد عيتاني، قبل أن «يكلبجوها وينزعوا منها ابنها الرضيع»، تمهيداً لإرغامها على إخلاء المنزل قبل جرفه.

لم يُظهر «رجال الأمن» أي وثيقة تثبت وجود أمر قضائي بهذا الخصوص، وفق ما أكد آل عيتاني. في حين أكّد الناشط البيئي رجا نجيم، المطلع على الملف، عدم وجود قرار أو تكليف من وزارة الداخلية، «فضلاً عن أن مصادر محافظ بيروت أكدت عدم إصدارها أي قرار بهذا الخصوص».

هكذا إذاً، تقوم الدولة، بالانتفاض ــ خلافاً للقانون ــ غيرة على مصالح سارقي حقوق الناس وحيزهم العام.

هل بات الدرك اختصاصيين طبوغرافيين يدركون حدود العقارات؟»، يتساءل الناشط البيئي رجا نجيم، مشيراً الى أن العمل «المافيوي» غير مقبول. اللافت أن هناك بعض العقارات التي تقوم عليها المساكن، هي أملاك عامة بحرية، وليست أملاكاً خاصة لأصحاب المشروع المزمع إنشاؤه في الدالية، «إلا أن أصحاب المشروع يتصرفون كأنهم اشتروا الروشة كلها»، تقول ناديا (52 عاماً) زوجة عمر عيتاني مضيفة: «لمين الصخرة؟ أكيد مش إلن»، ولافتة الى أن «عمرهم (فترة مكوثهم في المنطقة) يسبق عمر القانون وعمر آل الحريري» ــ «خصم» الاهالي.

«كانوا يقولون لنا، عليكم أن تفاوضونا وتقبلوا بالتعويض، وإلا سنقوم بإخلائكم من دون تعويض، يتصرفون معنا على أنهم السلطة ونحن الحلقة الأضعف، لذلك هناك الكثير من الصيادين قبلوا التعويض»، تقول أميرة.

الجهة التي «تفاوض» عدداً من الصيادين وآل عيتاني، محصورة بماهر أبو الخدود، وجهاد العرب، وفق ما يؤكد آل العيتاني لـ»الأخبار».

لم يفهم سبب لجوء القوى الأمنية الى هذه الوسيلة «الميليشيوية» في الهدم دون أي إنذارات، وفيما يقول حمد، الذي اتخذ موقف الممثل الوفي لمصالح المستثمر، إن آل عيتاني أخذوا تعويضهم ويقومون حالياً بالتفاوض من أجل حصولهم على مزيد من التعويضات. يؤكد آل عيتاني أنهم لم يحصلوا على تعويضاتهم، كما البقية، لافتين الى أن مطلبهم «هو البقاء في أرضهم، فهم لا يعرفون «غير البحر رزقاً.

يعتبر المدير التنفيذي لجمعية الخط الأخضر علي درويش أن «الأمر يتجاوز الخلاف الحاصل مع آل عيتاني ويتعداه الى فضح ممارسة السلطة التي باتت مسخرة لمصالح حيتان المال التي ابتلعت ولا تزال تتهدد أملاكنا البحرية». وبالتالي، فإن القضية التي تطرحها هذه الحادثة، بحسب درويش، هي «رؤية السلطة للأملاك العامة، واستمرار انتهاجها سياسة الانتهاك، بحيث تصبح راعية لمصالح الرأسماليين على حساب الفقراء والملك العام». يعطي درويش مثالاً عن «الموفمبيك»، «جار العيتاني»، ففندق الوليد بن طلال يتعدى على أكثر من 5000 متر مربع من الأملاك العامة البحرية بشكل غير قانوني، «إذا ما أردنا تجاوز مسألة التحايل على المرسوم غير القانوني الذي سمح له باستثمار الشاطئ». ويتساءل: «من جرب محاسبة مالكه؟».

ويختم درويش بالقول: «هذه الحادثة يجب أن تمهد لصراع مفتوح مع السلطة، بحيث الأمر لم يعد مقتصراً على الدالية».

هديل فرفور

الأخبار - مجتمع واقتصاد

العدد ٢٥٨١ الاثنين ٤ أيار ٢٠١٥

http://al-akhbar.com/node/232032

Script executed in 0.18576598167419