الأجواء «المشوّقة» التي ترافقت مع إعلان «انطلاق ساعة الصفر» صباح 22 نيسان أخذت النقاش الى مسائل متعلقة بمواد القانون، فتناسى الجميع المخالفات الدستورية والقانونية والقضائية الضخمة التي قام بها الجهاز التنفيذي ضارباً بعرض الحائط أي مبادئ قانونية لإدارة الدولة
تراكمت في السنوات الماضية، مؤشرات كثيرة تدلّ على حجم استهتار ولامبالاة السلطة في التزام أحكام الدستور والقوانين، ما يؤكد الحالة المأساوية التي وصلت اليها «دولة المؤسسات». قانون السير هو النموذج الأحدث - وبالطبع ليس الأول - الذي نسفت فيه السلطة التنفيذية المتمثلة بمجلس الوزراء، القواعد القانونية الأساسية لإدارة الدولة.
بتاريخ 22 تشرين الثاني 2012 صدر قانون السير الجديد رقم 243 عن مجلس النواب. نصت المادة 418 منه على ان تلغى جميع النصوص المخالفة لهذا القانون أو التي لا تتفق مع مضمونه لا سيما القانون رقم 76/67 تاريخ 26/12/67 وتعديلاته، أي قانون السير القديم. كذلك فإن المادة 420 منه أكدت أنه يُعمل بهذا القانون فور نشره في الجريدة الرسمية، وهو نُشر بتاريخ 25 تشرين الاول 2012 في العدد رقم 45. إذاً، بناءً على هذا، فقد ألغيت جميع القوانين السابقة المتعلقة بالسير وأصبح القانون نافذاً من تاريخ 25 تشرين الاول 2012. لكن ما الذي حصل؟ ولماذا لم يُطبّق القانون سوى بدءاً من الشهر الفائت؟
يشرح وزير الداخلية السابق زياد بارود المخالفات التي ارتكبها مجلس الوزراء المتعلقة بتطبيق القانون الجديد، يقول: «المشكلة الأساسية كانت أن مجلس النواب بمكان، ومجلس الوزراء بمكان مختلف كلياً. يُصدر مجلس النواب القانون وينشره رئيس الجمهورية، لنتفاجأ لاحقاً بقرار مجلس الوزراء بإستئخار القانون». ففي 27 شباط 2013 صدر القرار رقم 124 عن مجلس الوزراء وقد جاء فيه: الطلب من الادارات العامة والمؤسسات العامة المعنية استئخار تطبيق احكام قانون السير الجديد والاستمرار بالعمل بأحكام القانون القديم الى حين الانتهاء من اقرار التعديلات اللازمة على القانون الجديد. يؤكد بارود أنّ هذا القرار «يخالف بشكل مباشر مادتين في القانون هما المادة 418 عبر العودة الى قانون ملغى، والمادة 420 عبر تأجيل تطبيق القانون. لكن المخالفة الأخطر، هي خرق مبدأ دستوري ينص على فصل السلطات، إذ لا يمكن لأي جهة أن تلغي او تعدّل قانوناً صادراً عن مجلس النواب سوى مجلس النواب نفسه». في هذه الفترة، بين 25 تشرين الاول 2012 و27 شباط 2013، كانت المخالفات تُطبّق، وفق ما يعتقده بارود، على أساس القانون القديم، أي القانون الملغى.
التطبيق الجزئي ليس خياراً للإدارة أو للحكومة وليس لديهما أي سلطة استنسابية في ذلك
عندما صدر هذا القرار عن مجلس الوزراء تحرك عدد من الجمعيات المعنية بالسلامة المرورية، مثل «طرقات للحياة»، «يازا»، «مؤسسة زينة الحوش» إضافةً إلى شخصين طبيعيين هما جميلة عطالله وزينة قاسم (تحسّباً وتحصيناً للمراجعة)، وقاموا بتاريخ 25 نيسان 2014 بتقديم مراجعة ضد الدولة أمام مجلس شورى الدولة من أجل إبطال قرار الحكومة. في 16 ايار 2014 أصدر المجلس قراراً اعدادياً بوقف التنفيذ، إلا أن الحكومة استمرت في تنفيذه. صدر الحكم النهائي عن المجلس في 2 تموز 2014 وجاء فيه إعلان انعدام القرار المطعون فيه رقم 124. يشرح بارود أن «انعدام القرار لا يعني إبطاله فقط إنما اعتباره كأنه لم يكن نظراً إلى مخالفته المبادئ الأساسية». المفارقة المعجزة هنا أنّ جواب هيئة ادارة السير في مطالعتها أتى منسجماً كلياً مع ما اوردته الجهة المستدعية معتبرةً حرفياً أنّه «حفاظا على مبدأ موازاة الصيغ (مبدأ قانوني ينص على ان ما يُقر بقانون يُعدل بقانون) فإن هيئة ادارة السير والآليات والمركبات ترى ضرورة تطبيق احكام القانون رقم 243 تاريخ 22/10/2012 وأن وقف تنفيذ القانون او الاستئخار في تطبيقه او اي تعديل لأي مادة منه سواء في حالة الخطأ المادي أو غيره يجب ان يصدر من السلطة الصالحة وهي مجلس النواب دون سواه». على الرغم من القرارين القضائيين الصادرين «أكملت الحكومة تنفيذ قرارها ولم تتراجع عنه، كأنها بذلك تقول للسلطة القضائية والمجتمع المدني أنّ القرارات القضائية لا تعنيها».
إذاً، من دون أي قانون صادر عن مجلس النواب، قامت الحكومة من تلقاء نفسها باستئخار قانون، والعمل بأحكام قانون ملغى، وعدم الخضوع لقرارين قضائيين.
لم ينته الأمر هنا، إذ بعدما ارتأت السلطة التنفيذية أن تخضع للضغوطات القضائية والمدنية من اجل تطبيق القانون، قررت أن تطبّق القانون بشكل جزئي!
يعتقد بارود أنّ هذا الإجراء اتُخذ على مستوى وزارة الداخلية، ويؤكد أنّ «التطبيق الجزئي ليس خياراً للإدارة أو للحكومة وليس لديهما أي سلطة استنسابية في ذلك، إذ يجب تطبيق القانون كما صدر عن مجلس النواب. فهل يمكن لوزارة المالية أن تستنسب تطبيق ضريبة؟ مستحيل، إذاً كيف يمكن ان يحصل هذا في قانون السير؟». يرى بارود أنه لو أرادت السلطات أن تلتزم المبادئ القانونية كان يجب على الحكومة أن تحيل على مجلس النواب اقتراح قانون معجل مكرر من مادة وحيدة تحدّد فيها المواد التي يجب تأجيل تطبيقها الى تاريخ معين، إلا أن «المجلس لم يجتمع لأسباب عدة فأخذت الحكومة خيارات غير قانونية». صحيح ان العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية هي علاقة فصل لكنها في الوقت نفسه علاقة تعاون، ولم يكن هناك ما يمنع هذا التواصل.
يلفت بارود الى أن قوى الأمن الداخلي «تلقّت كرة نار ليست مسؤولة عنها، لأن هناك سلطة سياسية تعتبر قانون السير خارج أولوياتها. إلا أن قوى الأمن بدورها، اختارت التدرّج في تطبيق المواد بشكل عملي ومنطقي لتسيير الأمور لكن هذا لا يلغي أنه مخالف للقانون».
جميع هذه المخالفات أفرغت القانون من مضمونه، برأي بارود، «الإصلاح الأبرز المتمثّل بدفتر القيادة على النقاط لم يطبّق، كذلك استحداث وحدة مرور في قوى الامن الداخلي، فظهر القانون أنه عبارة عن غرامات فقط. زيادة الغرامات لا تحتاج الى قانون سير جديد إنما يمكن إقرارها بمادة وحيدة في قانون الموازنة في ما لو أصبح لدينا موازنة».
بعد كل هذه المخالفات، هل يعتبر قانون السير الجديد نافذاً؟ يقول بارود: «القانون نافذ بشكل كلّي منذ 25/10/2012، إنما تطبيقه اليوم يتم بشكل جزئي، والجزئية ليست قانونية»، هذا يعني أنّ الآليات التي اتبعها مجلس الوزراء هي التي يجب إبطالها وليس القانون. إلّا أن بارود يطرح أيضاً تساؤلاً منطقياً: «كيف يمكن تطبيق الجزء المتعلق بالقيادة على النقاط إذا كانت الدفاتر الجديدة غير متوفرة؟ كان هناك هامش كبير من الوقت للتحضير، لكنهم لم يتحركوا سوى قبل أسبوع». يتخوّف بارود من الاستمرار في التطبيق الجزئي للقانون والاستنسابية في تطبيق الغرامات، ويرى أن التعامل المستهتر مع القوانين له دلالات عديدة «فهو نمط غير مستجد، وحالة قائمة منذ سنوات ليس لدى اللبناني أي حساسية ضدها وفق التجارب، بدءاً من التمديد لمجلس النواب وصولاً الى قانون السير وما بينهما من قوانين. أيضاً، شكّل نموذج قانون السير تعبيراً صارخاً عن عدم اكتراث اهل السلطة للأحكام القانونية والقضائية. وأخيراً، أثبتت الحجة التي سيطرت على البلد بأن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، فسقط قانون السير أمام امتحان أولويات السلطة». يشير بارود إلى أنه إذا أردنا أن نؤكّد منطق الأولويات بالأرقام: «فإن عدد قتلى الحوادث الجنائية في لبنان لا يتعدّى الـ 200 قتيل سنوياً، بينما عدد قتلى حوادث السير يصل الى 900 قتيل في السنة، فأين هي الأولوية؟».
صوتٌ وحيد خرج من مجلس النواب وسط كل هذه المعمعة، وفق بارود، هو رئيس لجنة الاشغال النيابية النائب محمد قباني الذي تحدّث عن تجاوز السلطة التنفيذية لصلاحياتها، إلا أنّ ذلك لم يغيّر شيئاً، فالقانون كما يطبّق اليوم غير قانوني.
إيفا الشوفي
الأخبار - مجتمع واقتصاد
العدد ٢٥٨٨ الاربعاء ١٣ أيار ٢٠١٥
http://al-akhbar.com/node/232829