أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

عرسال ترفض تحويلها «درعاً بشرياً» في حرب القلمون / الخسائر تفوق الـ٥٠ مليار ليرة.. والأهالي يستنجدون بالجيش

السبت 30 أيار , 2015 10:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,848 زائر

عرسال ترفض تحويلها «درعاً بشرياً» في حرب القلمون / الخسائر تفوق الـ٥٠ مليار ليرة.. والأهالي يستنجدون بالجيش

كماشة المواجهات في جرود القلمون بين «حزب الله» والجماعات التكفيرية، وكماشة البطالة التي ضربت 90 في المئة من أهلها بعدما انتهت قطاعات الزراعة والمقالع والمناشر والنقل التي كانوا يعتاشون منها. وأخيراً كماشة أمنها الداخلي الذي تجلت أبرز مظاهره عندما احتلها المسلحون الذين خرجوا من المخيمات في داخلها خلال «غزوة» آب الماضي، قبل أن يصل «الدواعش» و «النصرة» ومن معهم من جرودها.

واليوم يتخوف أهالي عرسال من نزول المسلحين إليها على خلفية اشتداد المواجهات بينهم وبين «حزب الله» في جرودها، وتحويلها مع أهلها إلى مشاريع «دروع بشرية».

وها هو عضو كتلة المستقبل النائب جمال الجراح يقول من السرايا الحكومية، إثر لقاء وفد من عرسال مع رئيس الحكومة تمام سلام، «فليعلم الجميع انّ عرسال ليست جزيرة، حدودها عكار وطرابلس والطريق الجديدة ومجدل عنجر وسعدنايل وكل لبنان». موقف يجعل من تلك البلدة النائية التي لم تسمع بها معظم القوى السياسية قبل الأزمة السورية، جزيرة غريبة عن محيطها الطبيعي الذي طالما تقاسمت معه شظف لقمة العيش والإهمال.

وإذا كان الجيش اللبناني قد أرسل في اليومين الماضيين رسائل تطمينية لعرسال وأهلها عبر تسييره دوريات مؤللة في بعض أحيائها وإقامته حواجز طيارة وثابتة ومن ثم العودة إلى مراكزه الأساسية المحصنة من حولها، فإن أهالي عرسال أبدوا ارتياحاً كبيراً إزاء تحرك الجيش متمنين استحداث مراكز ثابتة داخل البلدة والإمساك بأمنها فعلياً.

«جرودهم .. وجرودنا»!

ويرى رئيس بلدية عرسال علي الحجيري في اتصال مع «السفير» أن عرسال بلدة لبنانية والجيش «وحده يقرر كيف يتصرف فيها»، وقال «لا مشكلة في تنفيذ دوريات ومن ثم العودة إلى مراكزه في محيط عرسال لأن شوارع البلدة ضيقة وهناك زحمة في داخلها».

ويقلل الحجيري من قلق أهالي عرسال من نزول المسلحين إلى داخلها، فوفق تقديره «حزب الله لن يدخل إلى جرد عرسال لأن من شأن ذلك أن يتسبب بحساسيات معينة». أما بالنسبة للمسلحين الذين يحتلون جرود عرسال، فالحل سهل بالنسبة للحجيري: «حزب الله يحتل الجرود السورية وهم يحتلون جرودنا، فليخرج حزب الله من جرود القلمون السورية فيعودون هم تلقائياً إليها»، مؤكداً أن عرسال «متضررة من الطرفين».

ولكن ماذا عن النظام السوري، أليس لدى المسلحين مشكلة معه؟ يرد الحجيري عن هذا السؤال بالقول «وين في نظام؟ لم يبق هناك نظام سوري، حزب الله هو الذي يمسك بالمنطقة».

وينفي الحجيري علمه بصعود أي شاب إلى جرد عرسال للقتال مع المسلحين ضد «حزب الله» «هذه أرضنا ولا يمكننا أن نسأل أي شخص من عرسال لماذا تذهب إلى أرضك؟»، واضعاً كل ما يقال عن هذا الموضوع في إطار «الدعايات».

ويخفف الحجيري أيضاً من تخوف بعض الأهالي من المسلحين في المخيمات، وإمكانية مساندتهم لمسلحي الجرود انطلاقاً من عرسال أو ملاقاتهم في حال نزولهم إليها ليقول «ليس هناك من مسلحين في عرسال، وإذا كانت هناك عشر بنادق، فهل يعني ذلك أن هناك مسلحين في عرسال؟». ويؤكد أن السلاح الثقيل مع المسلحين تم سحبه نحو الجرود بعد المواجهات مع الجيش في آب الماضي. وأعاد الحجيري ترحيبه بأي لاجئ سوري مدني «لكننا لن نسمح لأي مسلح بالتواجد في عرسال».

أمن عرسال

في مقابل كلام الحجيري، يؤكد أحد الفعاليات في عرسال لـ «السفير» أنه صحيح أن لا ظهور مسلح علنيا مؤخراً، ولكن حوادث الخطف ومحاولات القتل والخطف والإشكالات الفردية لم تتوقف أبداً داخل البلدة».

قبل أربعة أيام، على سبيل المثال لا الحصر، تعرض السوري أحمد سيف الدين (مقرب من داعش) لمحاولة خطف أصيب خلالها بطلق ناري. وبينت كاميرات المراقبة المزروعة صدفة في المكان هوية المعتدي وهو من «الدواعش» ويدعى «أبو بكر القاري» بمشاركة شخص من عرسال له سوابق في حوادث مماثلة. وفي اجتماع عقد إثر هذا الإشكال طلب أحد فعاليات البلدة، وهو مقرب من «النصرة» بضرورة تصفية المشارك بالعملية من عرسال، فتنطح شخص، يعتبر فعالية أساسية في عرسال للقول «ما حدا يقرب منو، يلي بيمد إيدو عليه ما بيعرف شو بيصير».

هذا الجو الإنقسامي في عرسال في التعامل مع المسلحين، ينسحب على الموقف من المعركة في جرودها. لا يختلف اثنان أن قتال «حزب الله» في عرسال يثير حساسية مذهبية عالية لدى معظم العراسلة في مقابل فئة لا بأس بها تريد الخلاص من المسلحين بأي ثمن. فأهل عرسال لم يعد بمقدورهم تحمل العبء الكبير الذي تركه المسلحون عليها، ويبدو أن الحل المثالي بالنسبة للجميع (إلا قلة حددها وزير الداخلية نهاد المشنوق خلال جلسة مجلس الوزراء بأنها لا تتجاوز الـ5 في المئة)، هو الجيش. قال المشنوق ان 95 في المئة من عرسال مع الجيش، فيما قال وزير الدفاع سمير مقبل أن نسبة الذين هم مع الجيش 80 في المئة!

خمسون مليارا خسائر

«المهم بالنسبة إلى عرسال وأهلها هو عودتهم إلى جرودهم وأرزاقهم»، يقول المختار محمد علي الحجيري لـ»السفير».

يوجد في جرد عرسال نحو أربعة ملايين شجرة مثمرة غالبيتها من المشمش والكرز. لا يقل مردود الزراعة في الجرد عن «20 مليار ليرة لبنانية في الموسم الصيفي»، وفق المختار «وها نحن ممنوعون عن أرضنا بسبب ما يحصل في الجرود، إذ هناك مناطق عسكرية للجيش وأخرى لحزب الله وهناك المسلحون». يخشى المختار أن يؤدي عجز «العراسلة» عن الوصول إلى أرزاقهم إلى يباس وتلف كل بساتينهم في الجرد القريب المروي، أي في مناطق وادي فليط والمجر ووادي طلعة الفختة وسرج القدام، ووادي فورة حيث آخر مركز للجيش.

وتعتبر مناطق الرهوة ووادي الديب والكشك ووادي عويس ووادي الحقبان ووادي الدب ووادي الخيل، التي يتمركز فيها المسلحون أيضاً، الجرد العالي الذي كان يباع كيلوغرام الكرز فيه بأرضه بنحو ثلاثة آلاف ليرة لبنانية كونه ينضج بعد أن تنتهي المواسم في لبنان كله.

في مقابل العشرين مليار ليرة التي خسرتها عرسال زراعياً على مدى السنتين الماضيتين، يعجز العراسلة أيضاً عن الوصول إلى مقالع ومناشر الحجر في جرودهم. يقول أحد أبناء عرسال وهو صاحب مقلع حجري لم يتمكن من الوصول إليه منذ «غزوة آب»، أن هناك نحو 300 مقلع في الجرد. كان يعتاش من وراء كل مقلع نحو ست عائلات كمعدل وسطي، ولم تكن تقل انتاجية المقلع عن الف دولار يومياً. وهكذا يبلغ مردود المقالع مجتمعة نحو 300 الف دولار في اليوم أي نحو تسعة ملايين دولار في الشهر.

ولا يقل عدد المناشر الحجرية في عرسال عن 400.. ولا يقل انتاج المنشرة (بعد كلفة التشغيل) عن 150 دولارا في اليوم. أي ان الإنتاج الصافي للمناشر يصل يومياً إلى 60 الف دولار، أي مليون و800 الف دولار في الشهر، عدا عن رواتب العمال.

ويرتبط بقطاع المقالع والمناشر والكسارات قطاع النقل الذي يشغل نحو 250 آلية «بيك أب» و200 شاحنة في الداخل ومنه إلى الخارج. يتلقى صاحب كل «بيك آب» 150 إلى 200 دولار عن كل نقلة (حسب المنطقة)، فيما لا تقل «يومية» الشاحنة عن 500 دولار. وعليه، تبلغ يومية قطاع النقل نحو 45 الف دولار يومياً لـ «البيك آب»، ومليون و350 ألف دولار شهري، ومئة ألف دولار يومياً للشاحنات وثلاثة ملايين دولار شهرياً.

عمال كل هذه القطاعات الزراعية والحجرية والنقل كانوا من عرسال بنسبة 80 في المئة. كان كل أبنائها يتعبون ويكدون ولكنهم يحصلون لقمة عيش كريمة. اليوم لا تقل خسائر عرسال عن نحو خمسين مليار ليرة لبنانية إذا ما اضفنا إلى خسائر القطاعات الزراعية والحجرية والنقل المرتبط بهما، مداخيل العمال الذين يعيشون صفر اليدين حالياً مع عائلاتهم.

من يفكر بعرسال اليوم وبلقمة عيش أهلها؟ وهل تفكر أيّ من القوى السياسية والحكومة بتعويض أهلها؟ أليس ما حل بعرسال كارثة أيضاً؟. التوظيف السياسي على أشده ، و «لا يد ممدودة نحو عائلات لا تجد ما تقتات به» يقول أحد أبناء عرسال.

وفد عرسالي عند سلام والمشنوق

زار وفد من أهالي عرسال أمس رئيس الحكومة تمام سلام ووزير الداخلية نهاد المشنوق يرافقهم النائبان جمال الجراح وزياد القادري. بعد اللقاءين اعتبر الجراح أن «هناك حملة على اهالي عرسال، وهناك من يريد ان ينتقم من عرسال واهلها خدمة لاهداف سياسية معينة. وهناك ايضا من يحاول ان يستعمل عرسال للوصول الى مركز معين، وهناك ايضا من يريد استهداف هذه البلدة لمهاجمة الجيش اللبناني وقواه العسكرية وللتشكيك بتضحياته وانجازاته وبعمله الدؤوب على حماية عرسال وحماية الجرود وحماية المناطق اللبنانية».

وتوجه الجراح لـ «هؤلاء» بالقول إن «اهالي عرسال ليسوا ممرا لاي موقع من المواقع، وليسوا طريقا للنيل من الجيش اللبناني او من قيادته».

وتابع: «رأينا اليوم بعض اللافتات على الطرقات المؤدية الى عرسال تجيش وتحرض على عرسال واهلها، وليعلم الجميع ان عرسال ليست جزيرة، حدودها عكار وطرابلس وسعدنايل ومجدل عنجر والبقاع الغربي والطريق الجديدة».

وفي البقاع، عقد عدد من فعاليات عشائر وعائلات بعلبك الهرمل اجتماعاً حذروا فيه من خطر التكفيريين في جرود عرسال، مؤكدين استعدادهم لأي تحرك من شأنه إنهاء ما يحصل.

سعدى علّوه 

السفير بتاريخ 2015-05-30 على الصفحة رقم 2 – سياسة


Script executed in 0.035444974899292