للوهلة الأولى، تبدو مسابقة الجغرافيا للشهادة المتوسطة متوافقة مع النمط السابق في طرح المجالات الجغرافية الثلاثة: تحديد المواقع والاتجاهات، استعمال المستندات وكتابة النص الجغرافي، ومناسِبة لمستوى التلامذة وتغطي الكفايات المطلوبة في هذا الصف. إلاّ أنّ قراءة متأنية للأسئلة تكشف ثغراً تستدعي عدالة في التصحيح لرفع اجحاف قد يلحق بالممتحَنين.
من الملاحظات العامة التي يسجلها الأساتذة غياب التنويع في المستندات، إذ تقتصر على النص الجغرافي، فيما أنه بإمكان واضعي الأسئلة أن يطرحوا رسماً بيانياً أو جدولاً أو رسماً توضيحياً. كذلك فإنّ المسابقة تغطي درسين من أصل 30 درساً في المقرر، و«هذه جريمة بحق التلامذة»، كما يقول أحدهم في جلسة مناقشة أسس التصحيح التي جرت في مبنى وزارة التربية امس.
ليس هذا فحسب بل إنّ النصين الجغرافيين المطروحين يفتقران إلى تحديد المصدر والتاريخ وهو شرط أساسي لمقاربة الأسئلة. عن هذا التساؤل برّر مقرر اللجنة سعيد ترو بأننا «أخذنا المسابقة من بنك الأسئلة ويصعب معرفة المصدر».
أما في المجال الثالث المتعلق بكتابة النص الجغرافي فيظهر البعد بين محتوى المستند والواقع الذي نعيشه. ففيما يشير النص إلى أن النفط يشهد اليوم ارتفاعاً ملحوظاً في أسعاره، ما ينعكس سلباً على تكلفة الانتاج الصناعي، فإنّ أسعار النفط تراجعت في الآونة الأخيرة بنسبة 40 إلى 50%.
وفي الملاحظات التفصيلية، يفاجأ أحد المكلفين مهمة الارشاد والتوجيه بمادة الجغرافيا بالسؤال الثالث في المجال الجغرافي الأول عن الاتجاه العام لمجرى الليطاني من دون أن يحدد هذا النهر على الخريطة ويطلب من التلميذ تسميته، أي إنّه يسأل عن أمر مجهول.
تباعد بين محتوى المستند الجغرافي والواقع الذي نعيشه
لكن هذا السؤال يفترض بحسب أستاذة تعليم الجغرافيا في كلية التربية في الجامعة اللبنانية الهام بدران معلومات مكتسبة لدى التلميذ بمعرفة موقع النهر من دون أن يكون اسم النهر مكتوباً في المسابقة، وهو يجب ألّا يمثّل صعوبة إلا إذا لم يُعلّم التلميذ على خريطة الأنهار في الصف، وبالتالي يُكسَب مهارة تحديد موقع نهر الليطاني أو غيره، مع أن التلامذة في هذا الصف يجب أن يتعرفوا إلى الظواهر الطبيعية، ولا سيما أن تحديد المواقع والاتجاهات هو أحد المجالات المطروحة دائما في الامتحانات.
إلاّ أن بدران تسجل اعتراضها على صياغة الشق الثاني من السؤال الرابع في المجال نفسه والمتعلق بالوحدة التضاريسية التي يصب عندها نهر الليطاني، فتقول إنّ النهر يصب في البحر، لا عند وحدة تضاريسية، فكان الأجدى أن يسأل التلميذ عن الوحدة التضاريسية التي يجري فيها النهر قبل مصبه. وفي مجال آخر، تستغرب بدران كيف يجري تضمين أحد الأسئلة جواباً عن سؤال آخر، فالسؤال الرقم 8 في المجال الثاني يتحدث عن تزايد العجز في انتاج الغذاء في العالم العربي، الذي يمكن أن يكون عنواناً للنص المطلوب في السؤال الذي يسبقه.
بدا المرشدون المشاركون في جلسة أسس التصحيح غير راضين عن المسابقة المخالفة في بعض جوانبها للتوصيف الرسمي، كأن توضع نصف علامة كتابة النص الجغرافي على الإجابة من المستندات. ومن المرشدين من تحدث عن بعض الأسئلة التي تحتمل إجابتين، ما يترك المجال لاستنسابية اللجنة، كذلك لا يوجد توازن، كما قالوا، بين حجم السؤال المطروح والإجابة، بمعنى أن توزيع العلامات غير مدروس، بما يتناسب مع ما هو مطلوب من السؤال.
في المقابل، أبدى المرشدون ارتياحهم لمسابقة الرياضيات «المقبولة شكلاً ومضموناً لكونها تتطابق مع التوصيف الرسمي للمسابقة، وصالحة لتقويم التلميذ بصورة عادلة وبناءة، وخصوصاً لجهة تنوع أسئلة المسابقة بين تقليدية تتطلب عمليات حسابية بسيطة، وتستوجب من الطالب اتباع منهجية سليمة لايجاد الحل، وأسئلة أخرى تحتاج منه تحليلاً معمقاً، ونمط ثالث فيه من الحيلة التي تجمع بين حفظ القاعدة الحسابية والقدرة على ايجاد المخارج الحسابية الصحيحة».
ويشير أحد الأساتذة، الى أنه إذ جرى التشدد في مراقبة الامتحانات، فسيرفّع هذا العام تلامذة ذوو مستوى جيد إلى المرحلة الثانوية. وميزة هذا الامتحان، كما يقول، أن اعتماد التلميذ على حفظ القواعد الحسابية، يمكّنه من تحصيل المعدل، فيما اعتماده على الابتكار والتحليل، سيعطيه علامات مرتفعة.
لكن هل تتناسب الأسس الموضوعة لتصحيح المسابقة مع هذه المواقف؟
بالنسبة إلى بعض الحاضرين لجلسة المناقشة، التي جرت في احدى قاعات «الاونيسكو»، فان الأساس في محاسبة الطالب هو اعتماده على طريقة سليمة في حل العمليات الحسابية، بصرف النظر عن اعتماده طريقة تقليدية تعلمّها من أستاذه في المدرسة، أو ابتكر طريقة أخرى، سليمة أيضاً، للوصول الى الاجابة الصحيحة عينها. فعندما يُطلب من الطالب تبرير معادلة حسابية ما، يمكنه ان يقوم بذلك عبر طرق عدة، وجوهر المسألة هو إعطاؤه التبرير المنطقي والسليم.
في القاعة، دار نقاش بشأن استخدام الآلة الحاسبة في إحدى الاجابات التي تتطلب عملية حسابية يمكن اتمامها بالكامل عن طريقها. فقد اعترض قسم من الأساتذة على اعطاء علامة كاملة للطالب الذي اعتمد فقط على اجابة الآلة الحاسبة ومساواته بالطالب الذي اتبع طريقة «يدوية» للوصول إلى الاجابة، لكن البعض أوضح أنّ المنهج لا يمنع التلميذ من استخدام الآلة الحاسبة، لذلك يفترض وضع علامة كاملة له على الاجابة. وهذا ما فتح باب التساؤل بشأن الهدف من طرح سؤال يمكن ببساطة أن تعطي الآلة الحاسبة اجابته، ويطرح تساؤلا أبعد من ذلك، بشأن المناهج المتبعة، فقسم كبير مما يتلقاه الطالب في العلوم الرياضية اليوم، أصبح الوصول إلى أجوبته وتحليله سهلا في ظل توافر التكنولوجيا الحديثة، حيث أصبح من الضروري تطوير وتحديث هذه المناهج.
اللافت أن الأساتذة سواء في الجغرافيا أو الرياضيات يطالبون باعتماد المرونة مع التلميذ، والتدقيق في إجابته، ولا سيما أن بعض التلامذة يمكن أن يقاربوا الأسئلة على نحو قد لا يخطر على بال المصححين.
فاتن الحاج - حسين مهدي
الأخبار - مجتمع واقتصاد
العدد ٢٦٠٨ السبت ٦ حزيران ٢٠١٥
http://al-akhbar.com/node/234893