أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

نهر الليطاني ... مجرى الموت والتلوث

الجمعة 19 حزيران , 2015 08:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 4,690 زائر

نهر الليطاني ... مجرى الموت والتلوث

العشرات من ميسوري الحال كانوا يتسابقون للاستملاك على ضفاف نهر الليطاني وروافده من البردوني أو الغزيل اللذين يمران في بلدة بر الياس.

اليوم حوّل تلوث النهر البلدات التي يمرّ فيها، ومنها برالياس، إلى أشبه ما يكون بالغرفة الكبيرة الموبوءة، بحيث تحوّل النهر إلى سبب رئيسي في تهجير محيطه السكني والتجاري، إضافة إلى ما ينتجه ويتسبب به من أمراض وعوارض صحية ترتفع أرقامها وحالاتها عند السكان بقدر اقتراب موقعهم السكني من مجرى النهر الملوث.

لم يعُد النهر نهراً، فتراكم الملوثات والنفايات على أنواعها حوّله إلى مجرور من المياه السوداء، ما ينذر بأخطار كبيرة تهدد حياة البقاعيين وتزداد الأخطار عند معرفة أن أرقام التلوث تتضاعف وترتفع بشكل قياسي لا نظير له مهدداً حياة السكان المنتشرين على طول مسار النهر بدءاً من نبع العليق شمال البقاع وصولاً إلى البقاع الغربي عند حدود بحيرة القرعون. كذلك فإن تركز أكثر من مليون نازح سوري مع خيمهم التي تمّ تجهيزها بحمامات وشبكات صرف صحي تصبّ مباشرة قساطلها في مجاري نهر الليطاني، يفاقم في حجم المشكلة.

من المآسي التي يشكو منها البقاعيون تحوّل الحديث عن تجاوز الخطوط الحمر في حكاية التلوث في بحيرة القرعون ونهر الليطاني إلى قصص قديمة، إذ إن الكل في لبنان يعلم ومنذ زمن بعيد بأرقام الملوثات والبكتيريا وأرقامها التي تتجاوز كل الحدود المسموح بها لأي من نسب التلوث بعشرات الأضعاف، بدءاً من التلوث الجرثومي وهو الأكبر ويعود إلى شبكات الصرف الصحي ومصباتها التي تقع داخل النهر، وصولاً إلى الملوثات الكيميائية والمعادن الثقيلة وأخطرها الزئبق والكادميوم والمنغانيز والرصاص والنترات وترسبات الاسمدة الزراعية، وكل هذه الأصناف موثق وجودها في نتائج فحوص قامت بها المصلحة الوطنية لنهر الليطاني أو في الدراسات التي جرى تنفيذها لمصلحة الهيئات الدولية والاختبارات التي قامت بها وزارتا البيئة والطاقة والمياه.

أخطر هذه الفحوص والنتائج دلّ على وجود ما يُطلق عليها «سيانو بكتيريا» وهي من أخطر أنواع البكتيريا التي تعمل على فرز سموم داخل المياه وتنتقل إلى جسم الإنسان عبر النباتات المروية بالمياه الملوّثة بهذه البكتيريا، وهي تؤدي إلى إتلاف الكبد وتعطيل أجهزة ووظائف الجهاز العصبي والجلدي، وهي أمراض باتت شائعة في البقاع، خصوصاً في المنطقة التي تمتدّ بين رياق وبرالياس وانتهاء عند حدود بحيرة القرعون، علماً أن الدراسات الفنية أكدت على أن تركّز أكثر أنواع الملوّثات من المعادن الثقيلة يسجل في هذه المنطقة المذكورة.

«برنامج قانون».. آخر الحلول

إزاء هذا الواقع فإن آخر الحلول التي اقترحت لانتشال البقاع من التلوث القاتل، يُعرَف باسم «برنامج قانون»، الذي أقر في مجلس النواب منذ العام 2013 بعد أن تقدّم به نواب كتلتي زحلة والبقاع الغربي ورعاه رئيس مجلس النواب نبيه بري، وتم إقراره في ختام خمس جلسات من المناقشات الطويلة شارك فيها وزراء الداخلية، الصحة، البيئة، الطاقة، الصناعة والزراعة ونواب لجنة الطاقة والأشغال ونواب من البقاعين الأوسط والغربي ومجلس الإنماء والإعمار وخبراء بيئيون، لعلاج تلوث نهر الليطاني ومجرى حوضه، ولكن هذا المشروع كغيره من المشاريع التي تتراكم في الجوارير منذ أكثر من 20 عاماً يعوزه التمويل من الحكومة اللبنانية إذ تصل كلفته إلى حدود 500 مليون دولار من المقدّر لها أن تتكفّل بمعالجة موضوع التلوّث بدءاً من منبعه في العليق وصولاً الى مصبّه عند البحر الأبيض المتوسط من الجانب اللبناني.

تلحظ بنود هذا البرنامج تنفيذ بعض المشاريع في قطاع المياه المبتذلة وأعمال الاستملاك العائدة إليها في منطقة حوض الليطاني بمحافظتي البقاع وبعلبك ـ الهرمل ومحافظة الجنوب التي أعيد إدخالها ضمن البرنامج من قبل نواب كتلة التنمية والتحرير.

ويتضمّن برنامج القانون في شقه البقاعي الانتهاء من إنشاءات محطات تكرير الصرف الصحي وعددها ست، بدءاً من محطة بعلبك مروراً بمحطة تمنين، وصولاً الى محطة زحلة، تليها محطة تقع بين سهلَي المرج وقب الياس، استكمالاً بمحطة جب حنين وانتهاء بمحطة صغبين تُضاف إليها مشاريع لمعالجة النفايات الصلبة ومكبّاتها العشوائية المنتشرة بين مختلف أقضية البقاع.

منع الري من الليطاني

أصدر محافظ البقاع القاضي أنطوان سليمان التعميم الرقم 19/1/2015 وجاء فيه: «حيث إنه ترد شكاوى متكررة حول قيام بعض المزارعين من مالكي أو مستثمري العقارات القريبة أو المجاورة لنهر الليطاني، بري مزروعاتهم من مياه النهر الملوثة بالمجارير، ما يسبب تلوث المزروعات، ونقل الأمراض والأوبئة إلى المواطنين مستهلكي الخضار في الأسواق المحلية.

لذلك، نطلب إلى كل البلديات التي يمر فيها نهر الليطاني:

1ـ إجراء كشف على طول نهر الليطاني في المسافة التي يمر النهر ضمن نطاقها.

2ـ قمع ري العقارات التي تروى من مياه الليطاني، كما العمل على حجز المضخات والقساطل المستعملة، وتحرير محاضر ضبط بحق المخالفين، ورفع هذه المحاضر إلى القائمقام أو المحافظ كل حسب نطاقه.

كما يمكن لأي رئيس بلدية طلب المؤازرة من قوى الأمن الداخلي عبر المحافظ أو القائمقام كل ضمن نطاقه.

مياه الشفة

في موازاة الحديث عن مخاطر التلوث، فإن التأخر في سبل المعالجة يهدد احتياجات عشرات الآلاف من سكان لبنان من مياه الشفة، وخصوصا القاطنين في منطقتي البقاع الغربي وراشيا والجنوب وحتى سكان بيروت الذين يؤمنون احتياجاتهم المائية من نهر الأولي، بحسب ما يؤكد المدير العام السابق للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني الدكتور ناصر نصرالله.

ويؤكد نصرالله أنه في السنوات المقبلة سيتم جر ما يقارب 160 مليون متر مكعب من مياه الليطاني لمصلحة مشروع قناة 800 التي تروي الجنوب وبعض قرى البقاع الغربي وموزعة بين مياه للري ومياه للشرب بهدف تأمين الري لأكثر من 115 ألف دونم عبر استجرار 90 مليون متر مكعب من المياه في القناة 800، ويضاف إليها 20 مليون متر مكعب من المياه لدواعي تأمين مياه الشفة، يضاف إليها في مرحلة لاحقة استجرار 50 مليون متر مكعب من المياه المعالجة والنظيفة إلى نهر الأولي في بيروت، علما أن سعة البحيرة القصوى تبلغ 220 مليون متر مكعب من المياه.

سامر الحسيني

السفير بتاريخ 2015-06-19 على الصفحة رقم 4 – محليّات

Script executed in 0.04095196723938