أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

جورج الزعنّي مكرّماً في قصر الأونيسكو

الجمعة 19 حزيران , 2015 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 3,394 زائر

جورج الزعنّي مكرّماً في قصر الأونيسكو

 معارضه دارت حول كل شيء، التصوير والمناسبات والشخصيات الفاعلة ولنقل إن لبنان بكامله كان معرضاً للزعني، ينتقل فيه من فسحة إلى أخرى ومن زاوية إلى غيرها. وإذا جمعنا معارضه إلى بعضها بعضاً، كانت على طول وعرض الخارطة اللبنانية، بل كانت الخارطة نفسها. من معرض إلى آخر، كان جورج الزعني يتكلّم بالصور ويتكلم بالآثار. الآن جورج الزعني هو الموضوع وما نقدّمه هنا ليس سوى معرضنا الصغير عنه.

تقديراً لمساهمته الفعالة في إثراء العمل الثقافي والوطني، أقام «أصدقاء جورج الزعني» بالتعاون مع «اللجنة الوطنية لليونيسكو» حفل تكريم للفنان جورج زعني في قصر الاونيسكو برعاية وزير الثقافة ريمون عريجي ممثلاً برئيسة اللجنة الوطنية لليونسكو زهيرة درويش.

ترحيب من عماد شرارة، ثم كلمة لأصدقاء المكرم ألقتها إلهام بكداش التي تحدثت عن الزعني الرائد في المعارض الوطنية والفنان المرهف الحس والصديق المحب، مشيرة الى دوره في تكريم شخصيات تركت بصمات تاريخية، بالإضافة إلى الحفلات والأعمال المسرحية والكتب التي عمل عليها بأناقة فنية في الداخل والخارج.

اما امل ديبو فقالت لافي كلمتها لست أعرف الكثيرين في بلادي يستحقون هذا اللقب. إلا أن جورج الزّعني هَامَ بلبنان حتى الثّمالة، وأخلص له. كيف يكون الإخلاص إلا بالحب والخدمة والوفاء. فإن جورج بالطبع مفطور على الجمال والخير والإحساس المرهف، ولبنان أيضًا حباه الله من الجمال ما أذهل جورج. ومعاني طبيعة لبنان فيها من الرمزية التعدّدية بالألوان والهضاب والجبال والسهول التي أملت على سكّانه عادات مختلفة تجمع بينها حسن الضيافة وبلاغة الشعر وحسن الجوار والعيش المشترك. وكان حالمًا بلبنان جميل معافى. ينبهر بالكلمة الحلوة، بالشكل الجميل من أعمال الفنانين، مهما كانوا واعدين أو معروفين. تبرق عيناه عند سماعه اللحن الطيّب، الكلمة المفعمة جمالاً، وهو يملك من الفنانين الكبار المعاصرين الأوفياء الملتزمين قضايا بلادهم العربية عددًا من اللوحات التي تنمّ عن ذوق رفيع. ذات يوم زار دمشق والتقى بمصطفى الحلاج وتوسّعت آفاقه حتى شملت سوريا الطبيعية ومن خلال الفن والكلمة السياسية الرؤيوية راح يلتزم كلبنانيّ أصيل إخوانه الفنانين العرب والسياسيين الذين هم في الرؤيا العلوية لوطن عربيّ مقاوم الفساد والعنف والاستزلام. وجد طريقه بالفن وإعلاء صوت الجمال والحق والخير.

لما أتت الحرب على أحلامنا وقضت على جمال روح لبنان وبهاء طلعته، قاوم جورج الزّعني اليأس والرداءة بالخير الذي بحث عنه أين توجَّهَتْ ركائبُه، واندفع لا يمدّ يدًا لأحدٍ. يضيء على فنانٍ مقاوم العنف بالجمال والعمل والتعب، يشجّع سياسيًا محٌقًا كسليم الحصّ والرئيس فؤاد شهاب ويأخذ الأعلام من لبنان «كي لا ننسى»، الزعيم أنطون سعادة والرئيس رياض الصلح، صائب سلام وكميل شمعون، الإمام موسى الصدر وأسقف العربية المطران جورج خضر. كان معجبًا بأداء الجيش اللبناني الذي يدفع بأولاده من دون كامل العتاد الى المعركة، ويستشهد. في كل مناسبة كان لجورج احتفاء بالجيش بشهدائه، «بدمائهم يرسمون ساحة الوطن» وانتصاره على التشرذم وتهنئة بعيد الاستقلال. وكان الجيش أول من يأتي الى معارضه ويرسل له باقة زهر قائد الجيش. غير أن جورج التزم القضايا الكبرى والقضايا اليومية؛ وكانت مجزرة قانا والمقاومة في صميم قلبه يقيم لهما المعارض، يستعير من محمود درويش الكلمة ومن جبران خليل جبران الصور، والإيقاع من نزار قباني، وأما القضايا اليومية «قهوة دايمة»، «يمام بيروت»، «بيروت في خمسة فصول». يحقّ لهذا الرجل أي يكرّم لأنه من جيبه الخاص كرّم الحياة الثقافية والسياسية والحضارية في الوطن العربي انطلاقًا من لبنان. وما كان ينتظر شكرًا إلا أن يأتوا كثيرًا كي لا ننسى لبنان الحضارة والجمال. إن فريق عمله مؤلّف من أصحابه الفنانين والأصدقاء وكان يتذكرهم بالشكر المكتوب على أول لوحة، وآخر لوحة كانت الشكر لمن أتى مـــن الزوار. آخر كتاب له «تماثيل لبــنان» طبعته الجامعة اللبنانية وكان معدًا لمعرضٍ ربما يتحقق كآخر حلم لجورج الزّعني المواطن الشرف.

مواطنٌ خلاّقٌ مبدعٌ مندفعٌ، خادمٌ بجهوده وفكره وأعماله، فكرة لبنان ورسالته... لبنان الوطن والمواطن، لبنان الهوية والثقافة، لبنان التاريخ والحاضر والمستقبل المشرق.

جورج الياس الزعنّي الذي استحق بالفعل أن يحمل صفة «لبناني من رتبة شرف»، واستطاع أن يحمل إسم لبنان وثقافته، ويجوب به أصقاع الأرض وما روى ظمأه بعد.

جورج الزعني، دأب خلال أكثر من أربعة عقود متتالية على إبراز القيم الجمالية والإنسانية التي يحملها لبنان، بطبيعته ورجالاته وموارده، ببيئته ومحميَّاته، بتراثه وثقافته... منتهجاً طريق الفن بعيداً عن كل اعتبار سياسي، وطريق العلم والمعرفة والبحث الدائم والمستمر. فأقام المعرض تلو المعرض والمهرجان تلو الآخر... بجهده وعطاءاته، بمثابرة دون يأس أو انقطاع، مهما اختلفت ظروف البلد، وعلى نفقته الخاصة دون أي لقاء، ما خلا القليل من الشكر.

وجاء في كلمة صقر ابو فخر انه وصف الزعني بأنه طائر يسابق الغيم

في سنة 1978 سمعتُ، أولّ مرة، بجمعية المكحول للفنون والحرف، وشاهدت، بمتعة غامرة، مهرجان المكحول الأول حين كانت بيروت تخرج بصعوبة من حرب السنتين. وفي ذلك الشارع الضيق رأيت جورج الزعني يتنقل بين المشاركين بحيوية لافتة. وفي عامي 1979 و 1980 بات مهرجان المكحول الاسم الثاني لجورج الزعني الذي يسره أن يردد أن الشاعر الشعبي البيروتي عمر الزعني هو قريبه، على الرغم من اختلاف الانتماء الديني. لكن هذا الفارق لم يكن له أي قيمة في منطقة رأس بيروت التي اشتهرت بأن المسيحيين فيها أبناء خالات المسلمين بالرضاعة والمجاورة.

ورأس بيروت مكان فريد حقاً، غير أن فرادته ليست ناجمة عن عبقرية سكانه المزارعين، بل ناجمة عن تأسيس الكلية الانجيلية السورية (الجامعة الأميركية) في ربوعه في سنة 1866. وبالتدريج تحوّل هذا المكان إلى بقعة شبه علمانية، ومقصداً للأثرياء الفلسطينيين الذين تقاطروا على بيروت في سنة 1948، وللبرجوازية السورية التي نزحت بأموالها إلى لبنان في سنتي 1955 و 1957، وما برحت على ديدنها حتى اليوم. آنذاك كان شارع الحمراء لا يزال يُدعى «جرن الدب».

في هذا المكان بالتحديد تعرفت إلى جورج الزعني، وإلى مطعم «سماغلرز إن» الذي حوّله جورج الزعني إلى غاليري للفن التشكيلي، وفجّره إرهابيو ذلك الزمان. أما شغفه بهذا الفن فكان غرامه الدائم على الرغم من التحولات الهائلة التي طرأت على بيروت جراء الحرب الأهلية المديدة، والتي جعلت الفن التشكيلي مهنة زائدة، لكن لا بد منها، فما إن عاد من لندن بعد وقف الحرب حتى بادر إلى افتتاح صالة أليسار في شارع بلس، ثم أقفلها مثلما أقفل «سماغلرز إن».

كان يغرف من ثروة موروثة ويغدقها على معارض الفن، وعلى تشجيع الفنانين الشبان الذين أخذ «محترف جورج الزعني» بأيديهم شوطاً من الزمن. لكنه نال، لقاء ذلك، ثروة أخرى هي انغماسه في كل شأن وطني. فكان يحوّل موضوعاته إلى شلال من الصور والزوائد الجميلة والطريفة. ولم يترك قضية إلا تناولها كالمقاومة وفلسطين وياسر عرفات والنقود والتبغ والقهوة وتماثيل لبنان وغير ذلك. وكانت الأفكـار في رأسه ينبوعاً لا ينضب؛ فإذا سألته عن معرضه المقبل يمد يده إلى «تحت التخت» ويُخرج معرضاً كاملاً جاهزاً للتعليق الفوري.

ضاقت عليه صالات المدينة، فاتجه إلى الهواء الطلق مثل الجدار الغربي لمخيم مار الياس. وكان دائماً مثل طائر يسابق الغيم، أو مثل شهاب خارق للفضاءات. ولا أجازف بالاستنتاج أن صداقتي الغامرة له لا تثنيني عن القول إنه ما برح يلاعب الفن حتى لا يغدره الزمان قبل أن يُنجز معرضاً يتلوّن بين يديه، وأن «رأس بيروت» من دون جورج الزعني تبدو باهتة، فهو كان وما فتئ معلماً من معالم هذا المكان العابق بالتجديد والفن.

 وبعد وثائقي عن انجازاته في النحت والرسم والكتابة في لبنان والخارج ودور محترفه في نشر الثقافة، تحدث الياس ديب باسم جمعية الفنانين للرسوم والنحت عن المكرم الثاقب النظر وصاحب الرؤية الفكرية من خلال المعارضة والمهرجانات والأفلام والرسومات والمنحوتات التي اختصر فيها هموم الناس والوطن. وأوضحت درويش ان المكرم هو علم من اعلام الثقافة والفن ترك عبر عطاءاته فرصاً للإحساس بالحق والخير والجمال وابداعاً بالقلم والصورة خدمة للوطن والمجتمع.

وأشارت درويش باسم عريجي الى ان التكريم هو لأحد أبرز الوجوه التي فرضت نفسها على ساحة الفن التشكيلي خصوصاً والساحة الثقافية عموماً، وسلطت الضوء على دينامية الزعني وانخراطه في عملية البناء الثقافي عبر محترفه ونشاطاته.

وألقى غسان الزعني كلمة شكر باسم عائلة المكرم. بعد ذلك سلمت درويش باسم عريجي درعاً تقديرية الى الفنان المكرم.

سيرته:

ولد في بيروت في 23/9/1942. درس في «الانترناشيونال كولدج» سنة 1956 ثم في مدرسة الشويفات حيث حاز البكالوريا سنة 1960. نال البكالوريوس في الآداب من كلية هايكازيان سنة 1963، ثم الماجستير من الجامعة الأميركية سنة 1970 ثم الدكتوراه من السوربون في سنة 1972.

يتقن الإنكليزية والفرنسية والإيطالية.

عمل في التدريس الجامعي في كل من جامعة هايكازيان والجامعة الأميركية (1972- 1980) وفي جامعة أثينا (1987).

رئيس قسم اللغات في الانترناشيونال كولدج - لندن من 1990 حتى 1995.

أسس جمعية المكحول للفنون والحرف سنة 1978، ونظم ثلاثة مهرجانات في شارع المكحول في السنوات 1978 و1979 و1980.

عين مستشاراً لوزير السياحة وليد جنبلاط سنة 1985.

رئيس الرابطة الثقافية في لندن سنة 1988.

ترأس مهرجانات بيت الدين في سنة 1985 ومهرجانات دير القمر في السنة نفسها.

من معارضه وكتبه

أقام عدداً كبيراً من المعارض الفنية، منها: « لبنان: طوابع وأحداث» (1983)، «الجنوب: أرض وناس» (1984)، «صيدا عبر الزمان» (1985)، «صور من بيروت» (لندن 1988)، « قانا... كي لا ننسى» (1998)، «المعلقات» (1998)، «سيرة الليرة - مصرف لبنان» - (1999)، «الاستقلال» (1999)، «التحرير» (2001)....كذلك أصدر عدداً من الكتب الفنية، منها: «لبنان طوابع وأحداث» (1983)، «لبنان أرض وناس» (1984)، «صيدا عبر العصور» (1985)، «رمضان مبارك» (2008)، «اجتمعنا من أجل الإنسان» ـ الإمام موسى الصدر» (2009)، «رجل لكل الفصول» (2009)، «نسمات» ـ أنطون سعاده (2012)، «تماثيل لبنان أسماء لوطن» (2013)

محمد ع.درويش


Script executed in 0.045727014541626