أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

رمضان صيدا: زينة وعبادة.. غياب الحكواتي وحضور المسحراتي

الثلاثاء 23 حزيران , 2015 11:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,941 زائر

رمضان صيدا: زينة وعبادة.. غياب الحكواتي وحضور المسحراتي

ولرمضان في نفوس الصيداويين مكانة عظيمة وجليلة، يختلف عن بقية اشهر العام، ففيه أنزل القران هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان وهو شهر العبادة والتقوى والتوبة، وشهر الرحمة والخير، لذلك يحرصون على اغتنام ايامه ولياليه كي ينالوا الحسنات ويكفروا عن السيئات..

وأبناء صيدا وجيلاً بعد جيل توارثوا عادات وتقاليد اجتماعية، شكلت جزءاً مهماً من حياتهم اليومية في هذا الشهر، حيث يكثر الذكر والمدائح النبوية وعمل الخير ويستطاب التزاور بين الأهل والجيران، ويحلو السَّمَر كما السهر في المقاهي..

بيد ان كثيرا من هذه المظاهر ومع مرور الزمن قد زالت مثل الحكواتي او بدأت تزول، ولم يبق منها سوى الذكريات وحكايات يتناقلها الاحفاد عن الاجداد، فيما تجددت اخرى وحافظت ثالثة على نفسها من الانقراض مثل المسحراتي، يميزه كل عام تجدد الزينة والانوار المصحوبة بالشكوى من الغلاء وارتفاع الاسعر واستغلال البعض لاقبال الناس على شراء حاجيات الشهر الفضيل.

 

فن الزينة

الداخل الى مدينة صيدا في شهر رمضان المبارك، يلاحظ بوضوح مدى اهتمام ابنائه باستقباله، وهو ما يتجسّد في قيام الكثير منهم بتعليق الزينة على شرفات المنازل وامام مداخل المباني السكينة ترحيبا بالضيف القادم مرة كل عام، فيما بلدية صيدا تكسي المدينة حلتها الجديدة من الزينة والانوار والمجسمات التي تمثل معاني هذا الشهر الفضيل، وتتعاون عادة مع جمعية التجار والمؤسسات الاهلية والخيرية لرفع زينة تليق بقيمة هذا الشهر الفضيل، فتبدو المدينة بساحاتها العامة ومستديراتها الاساسية وشوارعها الرئيسية مضاءة ليلا، حيث تتكامل أنوار المساجد مع الزينة التي تتخذ عادة اشكال "الهلال" و"النجمة" و"النخيل" و"الفانوس" مع التفنن بكل ما هو جديد وتتلألأ ساحة "النجمة" تحديدا بالأنوار والزينة، إذ رفعت بلدية صيدا مجسمات من الاضواء ليضفي كل ذلك نكهة خاصة على ليل صيدا في رمضان.

الى جانب الزينة، تصدح المساجد التي تضاء مآذنها وقبابها بالانوار بآيات الذكر الحكيم والتذكير بموعدي الامساك والافطار، لترسم الوجه الآخر للمدينة في شهر رمضان المبارك: صيدا مدينة الإيمان والمساجد وليس فقط المقاهي الشعبية والسهر، ويحرص ابناؤها على ارتيادها تعبيرا عن إلتزامهم الديني الذي يتنوع بين الواجب والسنة.. وداخلها تقام حلقات الذكر والإحتفالات الدينية وعلى إقامة الليل فيها وتحديداً بعد العشرين من رمضان لإحياء ليلة القدر التي غالباً ما تتنزل في السابع والعشرين منه.

لكنهم بالمقابل يحافظون على عادات وتقاليد إجتماعية شكلت جزءاً مهماً من الحياة اليومية لجمعها قواسم مشتركة في الإكثار من الذكر والمدائح النبوية والتزاور بين الأهل والجيران وفعل الخير والإحسان سرً وعلانيةً.

ويؤكد كثير من الصيداويين ان نهار رمضان يختلف في صيدا عن بقية شهور العام. فيه ينصرف البعض إلى قضاء حوائجهم، او تصريف أعمالهم، فيما يفضل البعض الآخر أخذ إجازة من العمل والتفرغ للعبادة والطاعة، فيلازم عددٌ منهم المنازل لقراءة القرآن والدعاء أو المساجد للتعبد أو الإعتكاف والنسوة يمضين النصف الأول منه بالتزوار والنصف الثاني يحضرن الطعام للإفطار.

 

المسحراتي والحكواتي

وفي احياء صيدا القديمة يحافظ المسحراتي على حضوره في شهر الخير، يقرع بطلبته ويصدح بصوته الجهوري، قائلاً "يا نايم وحّد الدايم... يا نايم وحّد الله"، قوموا على سحوركم جاي رمضان يزوركم وبالادعية والاناشيد ليوقظ الناس على تناول السحور، متجولا في الحارات العتقية والاحياء على مرحلتين الاولى بتكليف من البلدية والثانية تطوعية. 

ويذكر المسحراتي كبار السن بـ "حكواتي رمضان" الذي اختفى عن المدينة وحاراتها الشعبية واحيائها القديمة وعن مقاهيها ايضا وصمت عن الكلام منذ ربع قرن.. لكن كثيرا من الصيداويين ما زالوا يتذكرون آخر "الحكواتية" الحاج ابراهيم الحكواتي الذي توفي عام 1981 وهو يطل عليهم بلباسه التقليدي "الجلباب والطربوش والزنار" ويحمل بيده عصا ومتأبطاً كتابه ليروي حكاياته المشوقة.

 

مدفع خلّبي

وبين المسحراتي وذكريات الحكواتي، يحافظ "مدفع رمضان" في صيدا على نفسه من الانقراض ويثبت حضوره في الشهر المبارك دوياً وصدى بعد غياب أحد عشر شهراً من السنة والتزام الصمت، حيث يتحسر على أيام مجده الخوالي حين كان وسيلة الاعلام الوحيدة لإبلاغ الصائمين بمواعيد بدء الصوم والافطار والامساك، أما اليوم فقد انتفت الحاجة اليه وبدأ يخبو بريقه وحتى انتظاره أمام حداثة الاذاعة والتلفزيون، غير ان "المدفع" لم يستسلم وتحول الى جزء من تراث رمضاني في المدينة، إذ ما زال عناصر الجيش اللبناني من تلة مار الياس المشرفة على صيدا يطلقون طلقة خلّبية واحدة عند الافطار والامساك بعد السحور لابلاغ الصائمين بدخول أو انتهاء المواعيد، لكن هذا العام غابت بشكل لافت.

 

الحلوى والشراب

في الليل، تتربع الحلوى طبقا رئيسيا على موائد الصائمين، يحاولون ان يكسروا بها ظمأ الصوم ويدعمون اجسادهم بالغذاء الذي يقيهم قرصة الجوع، ويعتبر "القطايف" الى جانب المدلوقة، وحلاوة الجبن بالقشطة، والمفروكة، وسواها، الى جانب شراب التمر هندي والجلاب وعرق السوس والتوت والخروب الذي يطفىء ظمأ الصائمين وعطشهم الذي يشعرون به طوال ساعات النهار.

 

الغلاء في رمضان

وفي النهار، تتداخل أصوات الباعة وشكوى المواطنين.. فرغم الفرح والاستعداد والترحاب بهذا الشهر المبارك، الا انه يأتي عاما بعد عام مختلفا وأكثر ثقلا بالهموم الاقتصادية والمعيشية وغلاء الاسعار التي تطرق كل الابواب بلا استئذان، فما إن حل الشهر المبارك حتى ترتفع الاسعار وخاصة الخضار منها نظرا للاقبال المتزايد عليها، مما دفع المواطنون لرفع صوتهم عاليا لمراعاة حرمة هذا الشهر الفضيل وعدم تحويله الى مناسبة للإستغلال الرخيص.

ويعترف قاصدو السوق ان أسعار الخضار وخاصة ما يتعلق منها بإعداد صحن "الفتوش" الذي يزين موائد الصائمين يوميا، لحقها بعض الارتفاع ولكنها ما زالت مقبولة بل محمولة قياسا على الارتفاع الذي أصاب اللحوم والدواجن والمواد الغذائية.

 

التكافل الاجتماعي

ورغم ذلك تتعدد مظاهر التكافل الاجتماعي في هذا الشهر شهر المبارك، وتتنوع مظاهره العلنية وفي الخفاء مثل إقامة موائد الرحمن لافطار الصائمين من الفقراء وذوي الطبقات الشعبية غروب كل يوم حيث يشعر الغني بجوع الققير وعطشه أو توزيع مساعدات غذائية تخفف من معاناتهم اليومية في ظل الأزمة الاقتصادية والمعيشية الخانقة.. ومنها ما هو خفي كدفع الصدقات والتبرعات للجمعيات الخيرية للإنفاق منها على سد حاجة المعوزين والأيتام.

ويتخذ التكافل الاجتماعي الصيداوي أشكالا متنوعة في شهر رمضان الكريم، إذ له نكهة خاصة في التواصل والتلاقي ومساعدة المحتاج، ويحظى موضوع توزيع الحصص التموينية ورعاية المسنين والايتام وتأمين إحتياجاتهم الضروية أولوية في العمل الخيري والاجتماعي حيث تدخل البسمة الى قلوب هؤلاء ليعيشوا رمضان بمعانيه السامية في وصل ما إنقطع، وتقوية الأواصر الأسرية، وفعل الخير بصمت.


النشرة 

Script executed in 0.041593074798584