أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

"الدرس اليوناني".. هل يصل إلى لبنان؟

الخميس 09 تموز , 2015 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,317 زائر

"الدرس اليوناني".. هل يصل إلى لبنان؟

ماذا لو أن لبنان شرب "حليب السباع" واتبع الأسلوب الذي اتبعته البرازيل والأرجنتين، ومؤخراً أعلنت اليونان بموافقة شعبية كاسحة، التوقف عن دفع الدَّين الذي فُرض على هذه البلدان تراجع التنمية وتقهقرها، وبيع الأملاك العامة؟

البرازيل والأرجنتين تشكلان مثلين كبيرين في مواجهة الدائنين، والتوقف عن دفع الدَّين الذي أثقل على البلدين، بعد أن أوفيتا أصوله أضعافاً مضاعفة، دون أن تمنع تراكمه وتزايده جراء الفوائد وبيع الأملاك العامة، بحيث لم يعد هناك من موارد للدولتين، فكان القرار الحاسم المبين بالوقائع والأرقام، التوقف عن تنفيذ وصفات البنك والصندوق الدوليين، وبالتالي كان النهوض الكبير لهذين البلدين، اللذين يُعَدّان الآن من أهم الاقتصاديات الناهضة في العالم.

لا يمكن الركون بعد إلى التجربة اليونانية الفذة، لأن رئيس الحكومة تسيبراس ما زال يغازل الاتحاد الأوروبي، ويتمسك باليورو، وهو ضحّى بوزير ماليته ليخفف عنه الضغط الأوروبي، والنتيجة مرهونة بما سيُقدم عليه رئيس الحكومة اليونانية في الأيام القليلة المقبلة، فإما يرتهن لمنطق الوحش الرأسمالي، وإما يذهب بالمواجهة إلى حدها الأقصى مدعوماً بالأغلبية الساحقة من الشعب اليوناني الذي صار تحت خط الفقر.

ما علاقة لبنان بذلك؟

منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، دخل لبنان في نهج "المخرّبين الاقتصاديين"، وذلك حينما تحالف الأقربون والأبعدون على الرئيس الراحل عمر كرامي، فكان ما يسمى بـ"ثورة الدواليب" في السادس من أيار 1992، التي أطاحت بحكومة خلفت ديناً لا يتجاوز 3 مليار دولار على الخزينة العامة معظمه دين داخلي وبالليرة.

بدأت بعدها منذ نهاية العام 1992 مرحلة ما يسمى الإعمار، التي قامت على مبدأين: التوسع في المشاريع، والخصخصة..

كان الاعتقاد السائد لهذا النهج أن مرحلة السلام مع العدو "الإسرائيلي" قادمة، فعلى نهج "كامب دايفيد" سار الأردن باتفاق وادي عربة، ومن بعده ياسر عرفات باتفاقية أوسلو.

نهْج فيه التوسع في الاقتراض بفوائد عاليه، والتوسُّع في سندات الخزينة، ويروي نائب سابق أن سياسياً لبنان جاءه قرض من مصرف بريطاني محوَّل إلى بنك لبناني بقيمة 80 مليون دولار في أواخر 1992، بفائدة 2 بالمئة، وكانت قيمة صرف الدولار الواحد 2800 ليرة، فحوّل هذا السياسي هذا الدَّين إلى ليرة لبنانية ووظفها في سندات الخزينة، التي كانت فائدتها 45 بالمئة، وخلال أسبوع أو اثنين بدأ تراجع سعر الدولار، ليستقرّ على سعر 1500 ليرة، أي أن هذا السياسي "المحترم" ربح في الدولار الواحد 1300 ليرة، وربح في الفائدة 43 بالمئة، وهكذا صار الـ80 مليون دولار أكثر من 200 مليون دولار، مطلوب من اللبنانيين تسديدها لحضرة "المحترم".

هذا مثل واحد فقط، فتأملوا كم من الدَّين على هذه الشاكلة.

الاندفاع في التوسع في المشاريع بأسعار تبلغ قيمة أضعافها، على نحو ما جرى في مطار بيروت الدولي، الذي بدأت أعمال تجديده على أساس أن تكلفته لا تتجاوز 300 مليون دولار، فإذا هي في النتيجية تتجاوز المليار دولار.

مشاريع نُفِّذت بالتراضي، واستفاد منها المقربون من المسؤولين على أساس محاصصة، لم يشهد لبنان مثيلاً لها في تاريخه.

 

بسرعة قياسية تضاعفت أرقام الدَّين العام، وبدأ لبنان منذ العام 1996 أمام مرحلة جديدة: عجْز في الموازنة، وتراجع النمو، وتوسّع في الاقتراض، وفي الخصخصة، وإنشاء مؤسسات رديفة للقطاع العام، فـ"أوجيرو" مقابل وزارة الاتصالات، و"مجلس الإنماء والإعمار" مقابل كل الوزارات والمؤسسات، و"سوكلين" مقابل البلديات، وسوليدير "سيدة" العاصمة وصاحبتها، وهلم جرا، وكان منذ العام 1994 تأسيس الهاتف الخلوي، الذي استفادت منه شركتان كانت تجبي الواحدة منهما نحو مليار دولار أرباحاً سنوية، فيما لا يدخل الخزينة سوى نحو 300 مليون دولار لا غير.

لم يلحظ "النهج العمراني" أي خطة إنمائية.. تدهور وتلاشى القطاع الصناعي، والقطاع الزراعي دخل في مرحلة الخطر، استدركت "السياسية الإعمارية" المدمرة هذا الواقع، وبدأ البحث العقيم عن الحلول، فكانت خطة التوسّع في الاقتراض، فكان "باريس واحد واثنان"، والذي هو في حقيقته ليس إلا دَيناً إضافياً على الخزينة العامة، إنما بفوائد ميسرة، التي لم تحل شيئاً من الأزمة، فكان ازدياد في عجز الموازنة.

في أواخر عام 1998، كانت مرحلة جديدة مع وصول العماد إميل لحود إلى رئاسة الجمهورية والرئيس سليم الحص إلى رئاسة الحكومة، فطُرحت أول خطة للإصلاح المالي، ما أسهم في وقف الانهيار السريع الذي كان يلوح أمام لبنان.

 

وبعد جهد جهيد وصراع مريرَين، تمكّن العهد الجديد من استعادة الهاتف الخلوي، الذي أخذ يُدخل إلى الخزينة العامة نحو ملياري دولار سنوياً بدلاً من 300 مليون دولار، وكانت ضريبة "T.V.A" التي وضع أسسها وزير المال جورج قرم، لكن فؤاد السنيورة طبّقها بعد انقلاب انتخابات العام 2000 بشكل مشوّه ومريع، إنما أدخلت إلى الخزينة المليارات.

وفي ظل الحكومة "الحصية"، أمكن لوزير المال أن يفرض على المصارف قروضاً بقيمة 4 مليار دولار، بفائدة صفر بالمائة، وهي أهم من مشاريع مؤتمرات باريس.

بعد انقلاب نهاية العام 2000، عادت الخطة لبيع أملاك الدولة، كمحاولات بيع الخلوي بـ3 مليار دولار (يُدخل إلى الخزينة سنوياً ملياري دولار، ويريدون بيعه بـ3 مليارات دولار)، وبيع الهاتف الثابت، والكهرباء، والأملاك العامة.

الخطة الليبرالية المتوحشة ما تزال قائمة وهجومية.. تابعوا مسلسل المسبح الشعبي والدالية والروشة والسان جورج، ومناقصة الخلوي، وغيرها الكثير.

عبد الله ناصر - الثبات 

Script executed in 0.040936946868896