أن تطالب بحقوقك فهذا من واجبك. أن تدفع الظلم عنك فهذا من حقك. من حق أهالي الجية وأهالي سبلين أن يمنعوا رمي النفايات في القرية التي تقع في قضاء الشوف. من حقهم أن يحتجوا على من يسعى إلى رمي النفايات في قراهم وتحويلها إلى مكب جديد بعد تفشي أزمات النفايات في لبنان. لكن ما ذنب اللبنانيين أن يقعوا ضحية خلافات سياسية بين "تيار المستقبل" والنائب وليد جنبلاط أو بين هذين الفريقين وأبناء منطقتهما؟
لماذا على اللبنانيين الذين لا ناقة لهم ولا جمل أن يدفعوا الثمن من وقتهم وصحتهم وأعصابهم؟ ألم يكن بالامكان اقفال الطرقات الفرعية التي تؤدي إلى المناطق التي قيل إنها ستكون مطمرا للنفايات دون أن يتأذى المواطنون؟ إن ما جرى بالأمس وفي وقت يشكل ذروة سلوك الطريق الدولية بين الجنوب وبيروت لا يوحي بأنه بريء من محاولات ربما اريد لها أن تأخذ الأمور إلى مناخ آخر لولا وعي المتنقلين بين الجنوب وبيروت وصبرهم وتحملهم الأذى.
والسؤال الذي يعزز هذه الفرضية هو أنه لماذا لم يتحرك رجال قوى الأمن الداخلي لفتح طريق رئيسي يشكل شريانا حيويا بالنسبة لأكثر من خمسين بالمئة من سكان لبنان، بينما رأيناهم يعتدون على نواب قرب السرايا الحكومي؟ ألم يكن بإمكان وزارة الداخلية أن تفرز دراجا يرشد المواطنين إلى طرق بديلة وينقذهم من الوقوع فريسة تحركات مشبوهة؟
مهما كان وصف المشهد لن يكون كما لو كان المرء حاضراً فيه. لم يكن العالقون من طائفة معينة. كانوا من مختلف الطوائف في لبنان، هدفهم كان السياحة وقضاء عطلة جميلة كانوا ينشدونها في نهاية أسبوع من العمل والجهد والتعب.
أطفال صغار لم يتعد عمر بعضهم 7 أشهر، لفحت وجوههم ورؤوسهم الشمس، لم يجدوا مكاناً يتلطوا به من الحرارة العالية، أو رائحة النفايات القذرة. كاد بعضهم أن يلفظ أنفاسه في الطريق. نساء ورجال منهم مرضى أدت بهم حرارة الشمس إلى ضيق التنفس.
ما كان ذنب المواطنين؟ هل هم من اتخذ قرار رمي النفايات في سبلين؟ هل هم سبب الخلافات بين السياسيين الذين أنزلوا صبيانهم إلى الشارع؟
ما ذنب تلك المرأة الحامل التي لم يستطع اهلها ايصالها الى المستشفى حتى تلد في الطريق؟ ما ذنب جنينها الذي كان يحدق به الخطر لكي يولد على الطريق تحت أشعة الشمس ورائحة النفايات؟ ما ذنب المرضى الذين كانوا في سيارات الاسعاف التي لم تستطع المرور بسهولة؟ ما ذنب ذلك الرجل المسن الذي رأيناه في سيارة ابنه وكأنه يحتضر؟
ما ذنب هؤلاء لكي يمنعهم 20 شخصاً تحت أنظار القوى الأمنية من المرور على طريق عام باتجاه قراهم؟
أكثر من 5 ساعات وقف المواطنون تحت أشعة الشمس، ليس لديهم طعام ولا ماء. أكثر من 5 ساعات لم يتحرك أحد لفتح الطريق. رفض الأهالي ورئيس البلدية فتح جزء من الطريق لكي يعود منه الناس إلى بيروت، واستمروا بتعذيب الناس لمدة 5 ساعات قبل أن يتم فتح ثغرة لعودة الناس إلى بيروت، فهل هكذا تتم المطالبة بالحقوق؟ هل هكذا يمنع قرار رمي النفايات في سبلين؟ كان بإمكان من يقطع الطريق أمام الناس، أن يمنع مرور الشاحنات أو قطع طريق القرية أمامها.
مهما طال الحديث لن يبين مدى خطورة الذي حصل وكأنه سيناريو كان يراد منه فتنة بين اللبنانيين. فتنة يتحمل مسؤوليتها بشكل صريح الفريقان السياسيان الموجودان في المنطقة. لربما كانت نيتهما غير ذلك ولكن نحمد الله أن الرياح جرت بالأمس بغير ما تشتهيه سفنهم.
علي إبراهيم مطر