أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

ظاهرة الشيعة - فوبيا: قتل جماعي

الثلاثاء 28 تموز , 2015 04:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 5,632 زائر

ظاهرة الشيعة - فوبيا: قتل جماعي

تمثل الهجمات الانتحارية المنظمة على التجمعات المدنية الشيعية أعلى مرحلة من مراحل استهداف"التشيع" بدعوى الخوف منه. لكن- وعلى عكس التصور الشائع- فان هذا الاسلوب ليس جديدا بالمرة. أي انه ليس مرتبطا بتطورات المرحلة السياسية التي يمر بها العالم الاسلامي سواء في العراق أو سوريا. فقد شهدت الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي هجمات دموية منظمة ضد التجمعات الشيعية، قادتها مجموعات مسلحة مثل "جيش الصحابة" و"لشكر طيبة" في باكستان وكذلك "طالبان" في أفغانستان، خلفت بمجملها الاف الضحايا من القتلى والمصابين.

ان ما هو جديد في الامر، ان هذا الاسلوب الدموي قد تنامى في السنوات الاخيرة، لينتشر بسرعة مذهلة منتقلا من باكستان وافغانستان الى العراق وصولا الى مناطق بعيدة مثل نيجيريا وغيرها. ان هذا يؤكد ان المنهج الذي تتبعه هذه المجموعات هو واحد برغم اختلاف التسميات او أماكن وجودها وعملها. كما ان هذا يكشف ان مشكلة هذه الجماعات هي دينية طائفية بالاصل ولا علاقة لها بالواقع السياسي الذي تعانيه هذه الدول. ان المشاكل السياسية التي تعمل في ظلها هذه المجموعات ما هي الا غطاء يوفر لها الارض الخصبة للتمدد والانتشار.

ومن دون شك فان الدوافع الدينية تأتي في المرتبة الاولى لتبرير مثل هذه الاعمال الانتحارية التي يقوم بها أفراد مرتبطون بجماعات ارهابية مسلحة مثل القاعدة وجماعة جبهة النصرة وما يسمى الدولة الاسلامية وغيرها من التنظيمات المسلحة. ان العقيدة الدينية التي تبرر وتشجع على القيام بهذه الاعمال الانتحارية تدعو صراحة الى استهداف الشيعة أفراداً ومجموعاتٍ بشكل مسلح، باعتبار الشيعة "كفرة" "مارقين من الدين" و"ليسوا مسلمين" بل هم يمثلون "العدو الاول للاسلام"، ولذلك "ينبغي استهدافهم وتطهير أرض الاسلام منهم". وليس من الصعوبة بمكان، العثور على النصوص التي تقدم هذه الحجج. فنظرة سريعة على بعض المواقع الالكترونية، تقدم لنا عشرات البيانات والخطب والمقالات التي تبرر استهداف الشيعة قتلا وذبحا.

وهكذا فان عشرات بل مئات من العمليات الانتحارية التي استهدفت المواطنين الشيعة في العراق منذ 2003 وحتى الان، يجب أن تقرأ استنادا الى مبرراتها الدينية، بغض النظر عن واقع الخلافات السياسية التي تضرب البلد. فالانتحاري ينظر الى خصمه باعتباره كافراً، يحق قتله أو تصفيته. وكذا الحال مع عمليات القتل والتفجيرات الانتحارية التي وقعت في سوريا ولبنان. ان "الخلاف السياسي" الموجود في هذه البلدان بين الشيعة والسنة، يقدم الارضية المناسبة لتحرك المجموعات الانتحارية، خصوصا مع وجود الجماعات المتعاطفة معها والحاضنة لها. وربما سيقع الامر ذاته، و ما هو أسوأ لو أعطي المجال للمجموعات السلفية في بعض دول الخليج كالسعودية، والكويت. فهذه المجموعات تكفر صراحة الشيعة وهي تدعو الى قتلهم. لكن هذه الدول، لا يمكن ان تتورط في صراع طائفي من هذا النوع لما لذلك الصراع من تأثيرات سلبية بل وكارثية على مجمل الاوضاع السياسية والمالية لهذه البلدان(من الواضح ان هذا البحث قد كتب حتى قبل تفجير مساجد يؤمها الشيعة في كل من السعودية والكويت).

لكن في هذه الدول تحديداً توجد مجموعات كثيرة وداعمة للمجموعات الارهابية التي تمارس العنف في دول أخرى مثل العراق وسوريا واليمن وغيرها. ففي اليمن مثلا، لطالما استهدفت جماعات مرتبطة بالقاعدة تجمعات الشيعة الحوثيين تحت غطاء ديني بحت، مستغلة الانقسام السياسي- الديني الموجود. لكن برغم الانقسام الديني الموجود في اليمن (شيعة زيدية وسنة شافعية) فان أغلب الانتحاريين والمجموعات الارهابية تعود بأصولها الى السعودية ما يوضح أصول هذا المنهج التكفيري وبيئته الجغرافية والعقيدية. وكمثال على ذلك العمل الهجومي الذي نفذته مجموعة مرتبطة بالقاعدة على مايبدو على مستشفى وزارة الدفاع في دسمبر/كانون الأول 2013عندما قام انتحاري بتفجير سيارة مفخخة عند مدخل مجمع وزارة الدفاع اليمنية في صنعاء قبل ان تندلع اشتباكات مع مسلحين اقتحموا مباني تابعة للمجمع ما اسفر عن أكثر من عشرين قتيلا وعشرات الجرحى، حسبما افادت مصادر امنية ووزارة الدفاع اليمنية. لقد كان أغلب مدبري بل ومنفذي هذا الهجوم من أصول سعودية، الامر الذي يوضح الى حد كبير المنبع الفكري واللوجستي والبشري الذي تتغذى منه جماعة القاعدة.

وليس هذا بالهجوم الوحيد الذي نفذته هذه المجموعة في اليمن. فعلى مدى السنوات الماضية، استغلت القاعدة عدم الاستقرار الامني في اليمن لتقوم بعمليات قتل طائفية بحتة، تحت حجج دينية مختلفة. فمثلا، قامت جماعة «أنصار الشريعة» المرتبطة بتنظيم القاعدة بتنفيذ هجمات انتحارية استهدفت مواقع لجماعة الحوثيين في محافظتي صعدة والجوف شمال اليمن. وفي البيان الذي نشرته لاحقا، قالت الجماعة إن الانتحاري ينتمي إلى ما أسمتها «سرية أم المؤمنين عائشة» التابعة لها، لكنها لم تكشف عن هوية الانتحاري.واعتبرت القاعدة هذه العملية بأنها تأتي ضمن «حملة أنصار الشريعة للانتقام من الحوثيين الروافض الذين دأبوا على الطعن في عرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وسب وتكفير الصحابة رضوان الله عليهم». 

كما قامت القاعدة بهجمات مماثلة في الجوف وصعدة استهدفت فيها تجمعات للشيعة، مبررة تلك الهجمات بالدفاع عن عرض النبي محمد (ص)، في اشارة الى قيام بعض الشيعة بسب عائشة زوج النبي، وكذلك بحجة الدفاع عن أعراض أهل السنة، ربما في اشارة الى حال معتقلين سنة في العراق أوسوريا. 

ان اسماء المجموعات التكفيرية تحمل دلالات موجهة حول الغرض من قيامها. كما ان بياناتها تكشف عن طبيعة الحجج التي تستند اليها هذه الجماعات لتبرير أعمالها. فأفراد هذه المجموعات يعتقدون بانهم يدافعون عن النبي وأصحابه في مواجهة ما يعتقدونه من "انحراف شيعي عقيدي". ويستغل أفراد هذه الجماعات وجود بعض الاشخاص الشيعة أو مجموعات شيعية صغيرة تمارس السب واللعن، خصوصا من خلال بعض المحطات الفضائية أوبعض مقاطع الفيديو الموجودة على شبكة اليوتيوب، لتبرير مثل هذه الهجمات الانتحارية التي تستهدف الشيعة من دون تمييز. 

ويبدو من اعادة تكرار المبررات نفسها على يد مجموعات أخرى متطرفة، بان الغرض منها هو ليس تبرير الاعمال التي تقوم بها فحسب وانما بهدف الحصول على الدعم من "العالم السني" بشكل عام. فالمجموعات الارهابية في باكستان، على سبيل المثال، تسوق هي الأخرى المبررات ذاتها كحجة لاستهداف قتل الشيعة . ففي يوم الاربعاء 21 تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، تبنت حركة طالبان باكستان المسؤولية عن سلسلة هجمات خلفت عشرات القتلى والجرحى من الشيعة في انحاء مختلفة من البلاد، قبيل قمة تجمع ثمانية بلدان إسلامية. وقال إحسان الله إحسان -المتحدث باسم طالبان- إن الحركة تتبنى المسؤولية عن جميع هذه الهجمات باستثناء هجوم كويتا، مبررا ذلك بالقول إنهم (الشيعة) يتعرضون للاستهداف لأنهم "يهينون النبي محمد والقرآن الكريم". وقد وقعت سلسلة تفجيرات ارهابية استهدف أحدها مسيرة شيعية في ذكرى عاشوراء وخلفت 23 قتيلا و62 جريحا في راولبندي المدينة الكبرى بضاحية إسلام آباد التي كانت تستضيف قمة لقادة مجموعة ثماني دول إسلامية نامية وبينهم الرئيسان الإيراني محمود أحمدي نجاد ورئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان. 

ومن الحق التوقف هنا عند مثالي باكستان وأفغانستان لما لهما من أهمية في موضوع صنع التطرف ضد الشيعة. فلقد مثلت باكستان ومن ثم أفغانستان لاحقا مراكز كبرى لصنع الكراهية ضد الشيعة. ففي البلدين المذكورين توجد أقلية شيعية مهمة. وقد كانت هذه الاقلية، ناشطة سياسيا، خصوصا في باكستان. 

لقد كانت باكستان تحديدا، هي المكان الذي شهد مبكرا بداية التحول في شكل العلاقة بين الشيعة والسنة. وهذا ما يبدد الفكرة الشائعة، التي تذهب الى ربط صعود المد الطائفي في العالم الاسلامي بالتوتر السياسي الحالي الذي يجري تحديدا في دول الشرق الاوسط، خصوصا من قبل المجموعات المتطرفة التي ترى ان هذا "التطرف" ما هو الا رد فعل طبيعي لمجموعات تشعر بالتهميش السياسي او الاجتماعي خصوصا في العراق أو سوريا.

وباكستان تعد من الدول القليلة في العالم التي يشكل الدين فيها الرافد الاقوى للشعور القومي للبلد، حيث يتجاوز الاسلام فيها كونه ديانة لشعب ليشكل اللحمة التي تجمع أبناء هذا الشعب. وقد شكلت باكستان أصلا على أساس تفاهم طائفي سني- شيعي قاده كل من مؤسس باكستان محمد علي جناح (ذو الاصول الشيعية) والمفكر الاسلامي الكبير محمد أقبال. ان باكستان التي بنت شرعية استقلالها عن الهند على أساس التمايز الديني (دولة للمسلمين) تبدو الان، وللمفارقة، وكأنها تواجه خطر الانحلال والتدمير نتيجة زيادة شحنة "التعصب الديني المذهبي" من قبل الجماعات المتطرفة، التي تحاول فرض عقيدتها المتطرفة على باقي أبناء الشعب الباكستاني من خلال استخدام العنف المسلح والقتل الطائفي الممنهج خصوصا ضد الطائفة الشيعية.

يشكل السنة غالبية الشعب الباكستاني مع أقلية شيعية كبيرة تتجاوز ربما نسبة 20% من مجموع السكان. لكن هذا الفارق العددي لم يكن يخفي حقيقة ان نسبة كبيرة من الطبقة السياسية العليا واصحاب المناصب الرفيعة كانت تتحدر من اصول شيعية. لقد ساهم السنة والشيعة معا في تأسيس دولة باكستان الحديثة، وهو ما عزز مشروع تفاهم سني-شيعي واعد يمثل حلا عملياً للمشكلة الطائفية الموجودة في دول عربية واسلامية أخرى. لقد كانت التجربة الباكستانية تمثل أمل تحقيق تجربة اسلامية متميزة تكون نموذجا يحتذى. 

لكن منذ صعود نظام ضياء الحق، برزت نزعة "تسنن" سياسي كانت تهدف الى احلال السنة محل الوجود الشيعي مع سعي متواصل الى تطبيق الشريعة الاسلامية من خلال اعتماد تفسيرات سلفية متزمتة. ان هذا التغير ربما يفسر جزئيا سمة الاضطراب السياسي الذي عاشته باكستان والتحول اللاحق من النظام المدني الديمقراطي الى الحكم العسكري. ويبدو ان هذا التحول السياسي على المستويات الرسمية العليا، قد تزامن أو ترابط، مع تمدد مشروع فكر سلفي وهابي أتٍ من المملكة العربية السعودية، حيث نجح الى حد كبير في تغيير البيئة الدينية والاجتماعية فضلا عن المستويات السياسية في المجتمع الباكستاني. 

صحيح ان الفكر الوهابي كان قد وجد طريقه الى شبه القارة الهندية منذ القرن الثامن عشر على يد الحركات المجددة خصوصا من خلال جهود شاه ولي الله الدهلوي. لكن الشيء الجديد ان هذا الفكر أصبح يتمدد بشكل لاسابق له منذ منتصف الخمسينيات من القرن الماضي من خلال نشاط متشدد ومسلح ضد بقية الطوائف الاسلامية. وهكذا لم يكن غريبا ان تشهد باكستان في العام 1963 ما يمكن وصفه بأول مجزرة طائفية في العصر الحديث عندما شنت المجموعات السلفية الوهابية هجوما مسلحا ضد مواكب عاشوراء للمسلمين الشيعة. وقد سقط نتيجة هذا الهجوم المدبر العشرات من الضحايا بين قتيل وجريح. وقد كشفت هذه الحادثة عن مدى تغلغل الافكار المتطرفة في المجتمع الباكستاني في تلك المرحلة. مع ذلك، يمكن النظر الى هذه الحادثة كاستثناء في مجرى العلاقة بين الطرفين الشيعي والسني. فقد كان الفريقان يعيشان تناغم مصالح مشتركة ورؤى متقاربة في ظل زعامات دينية شيعية وسنية ناضجة.

لكن منذ ثمانينات القرن الماضي أصبحت الاقلية الشيعية هدفا متزايداً لهجمات المتطرفين من المجموعات الوهابية التي بدأ نشاطها يتوسع تدريجيا في باكستان. لقد ارتبط هذا النشاط المسلح للمجموعات التكفيرية مع توتر العلاقات بين السعودية (راعية المجموعات المسلحة) وبين النظام الاسلامي الجديد في ايران. وقد كانت الاقلية الشيعية في باكستان هي الخاصرة الرخوة للضغط على ايران، من جهة، مع اشغالها في أتون الحرب الطاحنة مع العراق 1980 -1988

وهكذا فان اسم باكستان اصبح مرتبطا أكثر من أي دولة أخرى في العالم بالصراع الطائفي السني- الشيعي. فلا يكاد يمر شهر من دون حادث قتل في باكستان، تقوم بتنفيذه هذه المجموعات المسلحة ضد المدنيين من دون تمييز. وقد استمر هذا العنف خلال السنوات اللاحقة من دون انقطاع، حتى أصبح "استهداف الشيعة" جزءا جوهريا من الايديولوجية الفكرية التي تقوم على أساسها هذه المجموعات. بل ان العنف الذي تمارسه هذه المجموعات التكفيرية، أصبح هو أيديولوجية تبرر وجود هذه الجماعات بحد ذاتها. فهذه المجموعات لا تمارس العنف من أجل هدف سياسي تسعى الى تحقيقه. بل ان أغلب الهجمات التي تقوم بتنفيذها، انما تستهدف المدنيين.

ففي منتصف شهر تشرين الأول/أكتوبر 2011، سقط 13 قتيلاً على الاقل في هجوم شنه مسلحون، استهدف حافلة للركاب قرب مدينة "كويتا"، العاصمة الإقليمية لولاية "بلوشستان"، جنوب غربي باكستان، أسفر عن جرح ما يزيد على ثمانية آخرين. وبحسب مسؤول في شرطة كويتا، فإن جميع القتلى كانوا من الشيعة، مشيرا إلى أن غالبية الضحايا كانوا من حراس المحال والبائعين، الذين كانوا في طريقهم إلى أماكن عملهم بسوق يقع خارج المدينة. وبحسب مصادر الشرطة فأن منفذي الهجوم، وهم أربعة مسلحين، قاموا بتوقيف الحافلة، قبل أن يقتحموها ويطلقوا النار على الضحايا، مما أسفر عن سقوط عدد كبير من ركاب الحافلة، بين قتيل وجريح، مرجحا أن الهجوم استهدفهم لأنهم شيعة.

وكما يحدث في أجزاء عديدة من العالم حينما تعجز الشرطة بشكل متكرر عن حماية المدنيين، فان هؤلاء يقومون بما يشبه ردة الفعل من خلال توجيه جام غضبهم الى المؤسسات والاجهزة الحكومية العاجزة. في أعقاب الهجوم، اندلعت أعمال عنف أخرى في محيط المستشفى التي نُقل المصابون إليها، حيث قام محتجون غاضبون، يُعتقد أنهم من أسر الضحايا، بإشعال النار في حافلة أخرى.

وكان وقع قبل هذا الهجوم بنحو أسبوعين، هجوم مماثل، استهدف حافلة تقل ركاباً من الطائفة الشيعية، بالقرب من مدينة "كويتا" أيضاً، أسفر عن مصرع 26 شخصاً وإصابة 6 آخرين بجروح. وتعد المنطقة، التي وقع فيها الهجوم، وهي "مقاطعة ماستونغ" وتبعد نحو 40 كيلومتراً إلى الجنوب من كويتا، مسرحاً لأحداث عنف متكررة بين المتطرفين السنة والشيعة، على السواء. 

وبحسب تقرير نشرته أحدى الوكالات العالمية فان واقع الحياة لجماعة الهزارة الشيعية في باكستان أصبح لا يحتمل الى درجة ان مجرد المشي في الشارع أصبح أمرا صعبا. ففي تقرير صحفي أعدته أحدى المحطات الغربية، كشف الشيعة الهزارة الذين يعيشون في منطقة كويته، وهي عاصمة بلوشستان في باكستان، ان المشي يمثل خطرا قاتلا بسبب استهدافهم من المتطرفين الوهابيين الذين يسيطرون على المنطقة، والذين ينظرون الى الشيعة باعتبارهم "كفارا". 

ففي يوم السبت 14 نيسان/أبريل 2012، قتل إرهابيون في كويته تسعة أفراد من الهزارة. وقد اعترف متطرفو جماعة لشكر جهنگوی، وهي مجموعة مرتبطة بطالبان وبالقاعدة تنشط منذ عدة سنوات في المنطقة وتستهدف بالخصوص شيعة الهزارة، بمسؤوليتهم عن الحادثة. بعد لحظات من وقوع هذه المجازر، نظم أفراد الهزارة في كويته مظاهرات للاحتجاج على إهمال السلطات لهم ورموها بالحجارة. وقد أحرق المتظاهرون عجلات السيارات وأضرموا النيران فيها. أما السلطات في المقاطعة فقد أرسلت قوات خاصة لإعادة النظام إلى المدينة التي ظلت مشلولة لمدة يومين. ثم توجهت إلى الهزارة قائلة إنها ستبذل كل جهودها لكي تضع حدا لموجة الإرهاب الذي يجتاح حاليا مقاطعة بلوشستان. لكن هذه التصريحات لم تنجح في تهدئة النفوس، ففي 17 و19 نيسان/أبريل خرجت نساء الهزارة إلى الشوارع بالآلاف للمطالبة بإنهاء "الإبادة الجماعية". وبموازاة هذه التجمعات، يتواصل سقوط القتلى. وفي 21 نيسان/أبريل، قتل اثنان من الهزارة في إحدى االشوارع الكبرى في كويته.

وعلى مدى أكثر من قرن، هرب جزء كبير من مجتمع الهزارة من الفقر والقمع اللذين كان يعاني منهما في أفغانستان، وهو بلد ذو غالبية سنية، للاستقرار في باكستان وخصوصا في كويتا. وعدد الشيعة الهزارة يصل الى 400 ألف نسمة وهم يعيشون بشكل أساسي من ممارسة مهنة التجارة. وبعد ازاحة طالبان في العام 2001، أصبحت مقاطعة بلوشستان الباكستانية المحاددي لافغانستان قاعدة للمقاتلين المتطرفين الأفغان. ومع تمركز الجماعات الإرهابية الوهابية، أصبحت الأقلية الشيعية المحلية، ومعظمها من الهزارة، هدفا لعدة هجمات. وبحسب مصدر من الهزارة يدير منظمة الهزارة جارغا، فأن أكثر من 600 من الهزارة قتلوا منذ عام 2000 ومعظمهم من منطقة كويتا.

ويعتقد في كويته، ان الهزارة قد تم استهدافهم لأول مرة من قبل المتطرفين في 1999. واذا كانت بعض الفترات تشهد هجمات أعنف من غيرها، مثل الهجوم الانتحاري الذي وقع في 4 تموز/يوليو 2003 على مسجد الهزارة في المدينة، الذي خلف 53 قتيلا و150 جريحا حسب حصيلة منظمات الدفاع عن حقوق الهزارة، فان موجة العنف لم تتوقف على مدى العشرين سنة الماضية. وبحسب تصريحات الهزارة، فان هدف الجماعات الإسلامية المتطرفة يبدو واضحا: اجبار الهزارة على مغادرة البلد لأنهم يعدونهم "كفارا". وفي حزيران/يونيو 2011 وزعت جماعة لشكرِ جهنگوی منشورات " تقول ان جميع الشيعة كفار وإن باكستان سيكون قبر الهزارة إن لم يغادروا البلد قبل 2012.

وبسبب استمرار هذه الهجمات، فان الهزارة يعيشون معزولين عن العالم. فقد توقف التجار عن ممارسة عملهم كما توقف الأطفال عن الذهاب إلى المدرسة لأن مؤسسات الهزارة لم تعد آمنة، أما النساء فيتجنبن الذهاب إلى الأسواق. ويضيف الهزارة: الشرطة غائبة تماما من أحيائنا. أصبحنا ننظم أمورنا بأنفسنا لحماية ذوينا. ونتعاون مع مجموعة من المتطوعين، بعضهم مسلحون، لإقامة نقاط تفتيش في أحيائنا، لكن هذا معقد جدا لأننا لا نريد إغلاق المنطقة على السكان الآخرين. ويضيف: الهزارة يعيشون في وئام مع المسلمين غير المتطرفين في المدينة. نحن نريد الحصول على الحق في أن نكون شيعيين وباكستانيين. لكن للأسف في بلوشستان، المتطرفون هم من يسيطرون.

وما يوضح الطبيعة الطائفية للهجمات المسلحة ضد الشيعة هو الاستهداف المتكرر لمواكب الشيعة في شهر محرم حيث احتفالات الشيعة الدينية بمقتل الامام الحسين (ع) حيث لوحظ تتجدد هجمات المجموعات المتطرفة في باكستان حيث من النادر ان يمر شهر محرم بسلام. ففي محرم العام 2012، قتل سبعة أشخاص على الأقل إثر انفجار قنبلة على الطريق قرب موكب شيعي في باكستان. وأعلنت حالة التأهب القصوى في صفوف قوات الأمن خشية وقوع هجمات أوسع نطاقا على الاقلية الشيعية. وتعلق باكستان عادة خدمات الهاتف المحمول في مدن كثيرة مع مطلع شهر محرم وذلك لان الهواتف المحمولة عادة ماتستخدم لتنفيذ هجمات بالقنابل على مواكب الشيعة. وكان قتل قبل ذلك التفجير باسبوع واحد أكثر من 12 شخصا في هجمات على احتفالات شيعية. كما سبق ذلك هجوم آخر في مدينة ديرا إسماعيل خان في شمال غرب باكستان وهي معقل للجماعات السنية المتشددة المرتبطة بتنظيم القاعدة التي تكثف هجماتها ذات الصبغة الطائفية في مسعى على ما يبدو لزعزعة استقرار البلاد.

كذلك فان ما يوضح الطبيعة الطائفية المتعمدة لهذه الهجمات- وهذا هو الامر الاهم- هو اعلان هذه الجماعات بصراحة عن استهدافها للشيعة، تحت مبررات وحجج مختلفة. فهذه الجماعات التكفيرية، تصدر عادة عقب تنفيذ عملياتها بيانات تؤكد مسؤوليتها عن هذه العمليات، مبررة ذلك في أغلب الاحيان بحجج دينية جديدة/ قديمة (انحراف الشيعة، العقيدة الشيعية الفاسدة، سب الصحابة، الارتداد، الخ..). كما تورد هذه البيانات مبررات سياسية (من قبيل ما يسمى تحالف الشيعة مع "الصليبيين، في اشارة الى الاميركان والقوى الغربية عادة). كذلك لا تخفي هذه الجماعات، في بعض الاحيان، ان تبرر عملية قتل الشيعة في باكستان، مثلا، بما يسمى "اضطهاد أهل السنة في العراق" أو في ايران. وربما قامت مجموعة مسلحة تكفيرية، في دول أخرى (لبنان مثلا) باستهداف الشيعة، وذلك ثأرا "لشرف النساء السنيات المحتجزات في سوريا أو العراق".

لقد دفع تكرر الهجمات ضد الشيعة منظمة العفو الدولية إلى انتقاد الحكومة الباكستانية صراحة. فقد سجلت المنظمة في بيان لها "ما لا يقل عن 39 هجوما على الشيعة منذ بداية عام 2012". وأضاف البيان "غير أنه رغم تكرار هذه الأعمال العنيفة فإن الحكومة الباكستانية لديها سجل سيء بشأن مقاضاة الجناة ومحرضيهم. كما ان هناك اتهامات صريحة موجهة من الشيعة للحكومة الباكستانية أو لبعض أجهزة الدولة بالتساهل مع المحرضين على العنف. كذلك يلاحظ ان كلا من الحكومة الباكستانية وأجهزة الاستخبارات الغربية تولي اهتمامها الشديد للجماعات المناوئة للأميركيين مثل القاعدة وطالبان في باكستان بينما تبدي اهتماما أقل تجاه بالمتشددين الذين يستهدفون الشيعة. ويعتقد ان الجماعات المتشددة تصعد من عملياتها ضد الشيعة بهدف إثارة صراع يمهد الطريق إلى إقامة دولة دينية سنية في باكستان، وهو التكتيك الذي طبقه أبو مصعب الزرقاوي في العراق من أجل كسب قلوب السنة العراقيين الى جانبه.

وكما يحدث في مناطق شيعية في العراق أو سوريا أو اليمن أو لبنان، فان هجمات الجماعات التكفيرية في باكستان تستهدف المناطق الشيعية من دون تمييز، ما يوضح ان الهدف هو ايقاع أكبر عدد من الخسائر بين المدنيين لاثارة رد الفعل واحداث حالة فوضى في المجتمع الباكستاني. ففي بداية العام 2013، استهدف انتحاريون ناديا للبلياردو تقصده غالبية شيعية ما ادى الى مقتل 82 شخصاً واصابة العشرات. فيما استهدف تفجير ثانٍ وقع في المكان نفسه أجهزة الشرطة والمسعفين والصحافيين. كما وقع تفجير ثالث في مدينة مينغورا الواقعة في وادي سوات ما أدى الى سقوط 22 قتيلا. وبحسب تعليق مواطن باكستاني الذي دعا الى تدخل الجيش، فان اللوم يوجه "لهذا النظام الفاسد، لا نريد جرائم مماثلة، العائلات هم اكبر المتضررين". ان هذا التعليق يكشف حجم الشعور بالاحباط الذي يعانيه الشيعة في باكستان نتيجة تزايد هجمات المتطرفين ضدهم مع فشل الدولة في حمايتهم. ولاشك فان تكرر مثل هذه الجرائم، من دون امتلاك الحكومة القدرة على وضع حد لنشاط الجماعات المتطرفة، ربما يدفع جهات شيعية معينة الى اتخاذ منهج الرد بالمثل كحل أخير لمواجهة الاعمال الارهابية المتكررة، ما ينذر بانفجار الوضع الامني نهائيا. 

ولم تكتف المجموعات الباكستانية المسلحة بذلك بل نقلت نشاطاتها الى أفغانستان، البلد الذي يحاول الخروج من وضع الاحتلال الاميريكي. فقد تبين ان الهجوم الذي وقع في 9 مايو/ آيار في العاصمة الافغانية كابول، واستهدف مسجدا للشيعة في حي دشتي برشي، حيث أصيب خلاله شخصان على الأقل بجروح، انما قد قام بتنفيذه مسلحان يرتديان لباس الشرطة ويحملان الجنسية الباكستانية.

وربما تقف المجموعات الباكستانية خلف هجمات كثيرة أخرى. فقد قتل ما لايقل عن 55 شخصا واصيب اكثر من مئة بجروح في هجوم استهدف مزاراً شيعياً في كابول اثناء احياء ذكرى عاشوراء العام 2011. وتصرح السلطات الافغانية بإن الملاذات الآمنة التي يتمتع بها مسلحو طالبان في باكستان هي السبب الرئيس لارتفاع وتيرة الهجمات في افغانستان. كما لا تخفي الحكومة الافغانية اتهامها عناصر في المخابرات الباكستانية بدعم مسلحي طالبان افغانستان وايوائهم في الاراضي الباكستانية.

 

د. فؤاد جابر كاظم

Script executed in 0.044420003890991